بسم الله الرحمن الرحيم

المنظور  الاستراتيجي الإسلامي لتحقيق التنمية المستدامة 

د. محمد حسين أبوصالح

معهد البحوث والدراسات الاستراتيجية

جامعة أم درمان الإسلامية

الخرطوم سبتمبر 2012م

 

مدخل :

على الرغم من الكم الهائل من التشريعات والمواثيق والنظم والاتفاقيات والهياكل ..، المتعلقة بالتنمية المستدامة، مثل تلك الخاصة بحقوق الإنسان ، البيئة والتغيرات المناخية ، الصحة، الغذاء ، محاربة الفقر ، استخدام الموارد ،وعلى الرغم من تطبيق العشرات من المفاهيم والأفكار والسياسات خلال العقود الماضية.. إلخ إلا أن المؤشرات بشكل عام تشير إلى خلل أساس في مستوى التنمية المستدامة على مستوى كثير من دول العالم ، يتجسد أهمها في ارتفاع معدلات الفقر  والبطالة، تزايد النزاعات والحروب ، تفاقم خطر نقص الموارد .

تسعى هذه الورقة للإجابة على السؤال الرئيس التالي :

ما هي الأسباب التي أدت إلى الخلل في تحقيق تنمية مستدامة على مستوى العالم  ، وهذا يقتضي بالضرورة تحقيق الأهداف التالية :

1.    ما هو مفهوم التنمية المستدامة ؟

2.    ما هي الأوضاع والتحديات المتعلقة بتحقيق التنمية المستدامة ؟

3.    ما هي أهم تجارب العالم لتحقيق التنمية والتنمية المستدامة ؟

4.    ما هو المنظور الإسلامي لتحقيق التنمية المستدامة ؟

مفهوم التنمية المستدامة :

تعريف التنمية :

فيما يلي يمكن ذكر بعض تعريفات التنمية ، وذلك كمدخل لدراسة مفهوم التنمية المستدامة وقياس التطور الذي جرى في المفاهيم .

تعني التنمية عملية تنمية المجتمع ورفع مستوى المعيشة بالتركيز على المناطق الريفية[1].
التنمية تعني بناء القدرات البشرية وحسن استخدامهم وتحقيق الرفاه . [2]

التنمية هي عملية نمو شاملة تكون مصاحبة بتغيرات جوهرية في بنية اقتصاديات الدول.

تعريفات التنمية المستدامة :

تعددت تعريفات التنمية المستدامة وبالرغم من ذلك لا يوجد حتى الآن تعريف واحد متفق عليه على المستوى العالمي ، وبالرغم من هذا التعدد فإن التعريفات المتعددة التي وردت لم تخرج في معظم الأحيان عن العلاقة بين ممارسات وسلوك الإنسان متمثلاً في الخطط أو السياسات أو القرارات أو نوع ومستوى الثقافة أو السلوك ، تجاه البيئة وما عليها من ظروف وأوضاع مع وضع اعتبار للأجيال القادمة،ولعل النظر إلى الخلفيات التي سبقت بروز هذا المفهوم يشير إلى روح المعنى المقصود ، حيث بدا واضحاً أثر تهديد البيئة على مستقبل الحياة البشرية في  المؤتمر الثاني للأمم المتحدة حول البيئة والتنمية ( قمة الأرض بريودي جانيرو عام 1992).

إن العديد من الدراسات والبحوث العلمية التي سبقت هذا المؤتمر لم تخرج عن إطار الأثر البيئي وخطورة عدم وجود قيود وأطر تحكم عمليات التخطيط التنموي في العالم والتي يمكن أن تشمل الثقافة العالمية ومنظومة القيم والمرتكزات الاستراتيجية  التي تؤسس لأمن العالم وإنسانه ومستقبل أجياله وتحكم بالتالي تصرفات البشر تجاه إدارة الأرض وإعمارها ، وأن تنامي الوعي بهذه القضايا لم يتحقق إلا لبروز مؤشرات قوية لحجم وطبيعة الخطر الذي يهدد مستقبل البشرية .

وفيما يلي يمكن استعراض أهم الجوانب التي تعرضت لها تعريفات التنمية المستدامة: 

1.    التنمية المستدامة تعني التنمية المتواصلة والمستمرة أو القابلة للاستمرار .

2.    التنمية المستدامة التي تحقق مصالح الأجيال الحالية مع مراعاة مصالح الأجيال القادمة .

3.    التنمية المستدامة تعني مراعاة البعد البيئي .

4.    التنمية المستدامة التنمية المتوازنة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً.

5.    التنمية المستدامة تعني مراعاة البعد السياسي .

6.    التنمية المستدامة تعني مراعاة المساواة والعدل الاجتماعي.

7.    التنمية المستدامة تعني مراعاة البعد الثقافي.

8.    التنمية المستدامة تعني السعي لتحقيق استقرار النمو السكاني ووقف ترييف المدن.

9.    التنمية المستدامة تعني عملية تطوير الأرض والمدن والمجتمعات .

10. التنمية المستدامة تعني تحسين ظروف المعيشة لجميع الناس مع حسن استخدام الموارد الطبيعية.

بالنظر إلى المعاني أعلاه يتبين التطور الذي حدث في مفهوم التنمية ، فإذا كان مفهوم التنمية يركز في الماضي على الجوانب الاقتصادية ،[3] فقد تطور ليشمل الجوانب الاجتماعية ثم تطور أكثر ليشمل الجوانب السياسية المتمثلة في المطالبات العديدة بتأسيس الحكم الراشد ( الديمقراطية ، المشاركة ، الشفافية .. إلخ ) وتضمين بعض حقوق الإنسان ضمن شروط العمليات السياسية إلخ[4] ثم تطور أخيرًا ليشمل قضايا البيئة [5]  وحقوق الأجيال القادمة .[6]

الأمن الإنساني :

من التطورات المهمة على مفهوم التنمية المستدامة هو اهتمامه بأمن الإنسان منذ النصف الثاني من عقد التسعينيات من القرن العشرين حيث تم التركيز على الإنسان الفرد وليس الدولة، من خلال الاهتمام بصون كرامة الإنسان وتلبية احتياجاته المعنوية والمادية، وهذا يتضمن كفالة حق العدل والتعبير والتنظيم والتعليم والصحة والغذاء والمأوى والعمل والاستقرار والأمن  .

 

 

 

الأوضاع والتحديات المتعلقة بتحقيق التنمية المستدامة :

إن التوصل لرؤية ذات عمق استراتيجي لتحقيق التنمية المستدامة يستدعي دراسة الأوضاع على الساحة الدولية من منظور التنمية المستدامة للتعرف على الأوضاع التي تساعد في تحقيقها وتلك التي تعترض تحقيقها ، وفيما يلي سرد مختصر لنماذج لأهم الأوضاع برأي الباحث التي لها اثر مباشر على تحقيق التنمية المستدامة في دول العالم :

أولاً الصراع الاستراتيجي حول الموارد :

من المعروف أن الصراع الاستراتيجي يدور حول عدد من المحاور، أهمها :

1.    مصادر الطاقة وتشمل النفط والغاز الطبيعي واليورانيوم والطاقة الشمسية والحيوية .. إلخ.

2.    الماء العذب .

3.    الأراضي الزراعية الخصبة .

4.    المعادن الاستراتيجية الثمانية .

5.    الموقع الاستراتيجي .

6.    المعتقدات والثقافة .

بالنظر إلى هذه المحاور يتضح أن الدول العربية والإفريقية وكثير من الدول النامية تقع في إطار الصراع الاستراتيجي، الذي يتم وفق شروط لصالح الدول الكبرى ، ساعد على ذلك  ضعف الدول النامية وعدم وجود رؤى استراتيجية وطنية متفق عليها تمكنها من تأسيس شراكات استراتيجية عادلة على الصعيد العالمي.

من الأمثلة العملية على ذلك واقع الحال في إفريقيا ، فعلى الرغم نمو حجم  الاستثمارات الأجنبية التي سجلت أرقاماً قياسية مقارنة بمعدلات القرن العشرين  وعلى الرغم من ضخامة الموارد التي تم تصديرها من إفريقيا إلى دول العالم ، إلا أن واقع التنمية المستدامة ظل ضعيفاً جداً ولا زالت القارة تعاني من الفقر والتخلف . حيث تشير العديد من الدراسات إلى أن أهم مشكلات الاستثمار الأجنبي في إفريقيا لا تتم في إطار روح مفهوم التنمية المستدامة ، ومن الدلائل على ذلك أن عمليات استخراج المعادن لا زالت بدائية وان عمليات التعاون والشراكة والاستثمار لم تكن تسمح بنقل التقانة إلى إفريقيا وبالتالي لم تتيح منح حصص استراتيجية لإفريقيا في سوق المعادن المستخلصة ، كلما في الأمر هو تصدير لمواد خام ، يضاف لذلك عدم الاهتمام بضوابط المحافظة على البيئة الشئ الذي يعني مواجهة إفريقيا في المستقبل لتحديات بيئية عظيمة ستؤثر عليها ولكنها حتماً ستؤثر على مصالح العالم كذلك ، كما أن ضعف القيمة المضافة للدول الإفريقية الناجم عن هذا النوع من الاستثمار أدى لاستمرار عدم توفر خدمات الصحة والمياه النظيفة ونقص وضعف المهارات نتيجة لضعف التعليم بجانب عدم اهتمام صفقات الاستثمار بتوفير فرص العمل الكافية للمجتمع الإفريقي ، ساهم في وجود واقع إفريقي مرير يتمثل في المجتمعات المتناقضة في مناطق الإنتاج ففي جانب منها نجد المدن الراقية التي تضم المستثمرين والخبراء والعمالة الأجنبية ، بينما نجد في الجانب الآخر مدن الصفيح المتخلفة التي تضم العمالة من الفقراء الذين يفتقدون لأبسط مقومات الحياة التي تدعوا لها مفاهيم التنمية المستدامة، في الوقت الذي يرتفع فيه حجم الصادرات من المواد الخام من تلك الدول .

 

 

الاستراتيجية الأمريكية وموارد إفريقيا :

السياسة الأمريكية منذ فترات طويلة ترى أن موارد إفريقيا وبعض الدول الأخرى كالدول العربية، هي موارد أمريكا، وقد أكد تلك الحقيقة عدد من الدراسات وتصريحات المسئولين الأمريكيين، أهمها ما ذكره هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي ومستشار أمنها الأسبق في خطبة له أمام الـ FDR Pclar قـال فيها " إن الدول مثل الدول الإفريقية تجلس على كميات ضخمة من المواد الخام والتي هي طاقة انجلو أمريكية سوف يتم الحاجة لها مستقبلاً، لذا فنحن لا نسمح بالزيادة السكانية في إفريقيا وفي أي دول بها مواد خام، وذلك لأن الشعـوب تستهلك المواد الخام التي سوف نحتاجها مستقبلاً " وواصل السيد كيسنجر قائلاً " هذه الدول .. هذه الأنحاء من العالم يجب أن لا تأخذ حظاً في التنمية لأنها إذا نالت تطور اقتصادي فإن استهلاكها للمواد الخام سيزيد [7].

إن تبني بعض دول العالم لسياسات كهذه يؤسس لعقبات حقيقية لتحقيق التنمية المستدامة.

الصراع الدولي حول  المياه :

في ظل تزايد سكان العالم مع شح مصادر المياه العذبة ، أصبحت المياه العذبة على رأس قائمة الموضوعات التي تشكل قضايا العالم المعاصر ، وهي بذلك تصبح قضية سياسية  ، اقتصادية، اجتماعية ، لتتحول بذلك إلى مصدر للصراع الدولي الذي قد يكون البعد العسكري أحد وسائله، وأن السبب في تعقيد موضوع المياه هو الزيادة الكبيرة لسكان العالم مع نقص الموارد بالنسبة فاقم من ذلك تنامي مجالات استخدام المياه نتيجة لتطور أنماط الحياة واستخدام المياه في توليد الطاقة ، الشئ الذي يهدد بنقص إنتاج الغذاء في ظل تنامي الطلب عليه ، كما تفاقم أن أزمة الطاقة تعني مزيد من الطلب لإنتاج الطاقة من المياه أو لإنتاج الطاقة الحيوية وهي بهذا الشكل ستكون خصماً على إنتاج الغذاء .

على الصعيد العربي احتلت قضية الأمن المائي العربي قمة الأولويات في سلم المصالح العربية في الفترة الأخيرة، بل أصبحت تفوق من حيث الأهمية، الأمن العسكري، في ظل قناعات ترى بأن الحديث عن تحقيق الأمن القومي العربي لا يمكن أن يتم بمعزل عن موضوع المياه. [8]

إن مشكلة العجز الغذائي في العالم العربي تفاقم من موضوع الأمن المائي، حيث أن الفجوة الغذائية التي بلغت 17 بليون دولار تقريباً في العام 1996 م وهو عجز متوقع له أن يزيد مع تزايد السكان الذي متوقع له أن يصل إلى 750 مليون نسمة عام 2030م، وأن الاعتماد على الاستيراد من الخارج في ظل السياسات الاحتكارية المحتمل تطبيقها بواسطة الدول المتقدمة المنتجة له، يجعل من أمر الغذاء موضوعاً أمنياً يزداد إلحاحاً كلما تقدمت السنوات في القرن الحادي والعشرين. [9] خاصة وأن إجمالي جريان الماء السطحي في العالم العربي 0.07 % فقط من إجمالي الجريان السطحي في العالم فيما يتلقى فيه 2 % فقط من إجمالي أمطار اليابسة في العالم بينما ينال الهكتار في العالم العربي من المياه السطحية 0.6 لتر/ثانية/كيلو، تعادل 6.8 % من المعدل العالمي.

من خلال هذه الحقائق يبدو واضحاً الخلل وعدم التوازن بين السكان والموارد المتاحة، ومن ثم ندرة المعروض والمتاح منه، وإذا تمت إضافة حقيقة أخرى وهي أن 85 % من مياه العالم العربي تأتي من خارج حدوده فيمكن حينئذٍ تخيل مستقبل المنطقة العربية في ظل ما يسمى بحرب المياه. [10]

تشير الإحصاءات إلى أن العجز المائي العربي سيبلغ 130 مليـار متر مكعب سنوياً، في حين أن حاجة العالم العربي من المياه تبلغ 225 مليار متر مكعب سنوياً بينما لا توفر الأنهار العربية مجتمعة أكثر من 95 مليار متر مكعب في الأحوال الطبيعية العادية، ويعني العجز العربي عدم القدرة على توسيع رقعة الأراضي الزراعية من جهة وفقدان مساحات زراعية ضخمة بسبب عدم توفر الماء اللازم للري، وهذا يعني أن تحقيق التنمية مستدامة في العالم يتوقف على ترتيبات استراتيجية محلية وإقليمية ودولية كبيرة . [11]

ثانياً : التنمية المستدامة والإسناد السياسي :

إننا لا يمكننا بحث قضايا التنمية المستدامة دون النظر لأثر ضعف البناء السياسي الدول النامية وطبيعة الإسناد السياسي في الدول الكبرى للنشاط التنموي بشكل عام .

1. البناء السياسي في الدول النامية :

من الأشياء الملاحظة في كثير من الدول النامية عدم وضوح الرؤية حول العلاقة بين التخطيط الاستراتيجي السياسي والتخطيط الاستراتيجي التنموي، يؤيد ذلك خلو معظم خطط التنمية عقب الاستقلال في تلك الدول من الجانب السياسي حيث نجدها تهتم بالجانب الاقتصادي والاجتماعي والعسكري .

 



[1] المجلس الاقتصادي والاجتماعي في هيئة الأمم المتحدة.

[2] برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

[3] الأمم المتحدة ، العقد الأول للتنمية ، 1960 – 1970 .

[4] الأمم المتحدة ، العقد الثاني للتنمية ، 1970 – 1980 ، والعقد الثالث 1980 – 1990.

[5] الأمم المتحدة ، العقد الرابع للتنمية ، 1992 .

[6].  تعريف اللجنة العالمية للتنمية والبيئة المكونة من الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1983.

[8] جورج المصري، قضية المياه في المباحثات متعددة الأطراف، مجلة شئون عربية، العدد 78، ( 1994 م )، ص 98

[9] المنظمة العربية للتنمية الزراعية، دراسة السياسات العامة لاستخدام موارد المياه في العالم العربي، ( القاهرة : المنظمة العربية للتنمية الزراعية، 1994 م}، ص 1 .

[10] المرجع السابق، ص 1.

[11] جورج المصري، مرجع سبق ذكره، ص 100 .

1    2    3    4    5


أعلى ألصفحة

ألسيرة الذاتية

الاسم محمد حسين سليمان أبوصالح الميلاد 1960م الحالة الاجتماعية متزوج { خمسة من البنين والبنات } المؤهلات الأكاديمية : ألمزيد

دورات تدريبية

يعمل د. محمد حسين ابو صالح على تدريب الكوادر للعمل في مجالات التخطيط ألمزيد

محاضرات


إتصل بنا