بسم الله الرحمن الرحيم
المسلمون وإدارة الصراع الاستراتيجي
د. محمد حسين أبوصالح

 

بالنظر في معظم تعريفات الاستراتيجية نجد أنها تدور حول امتلاك الدولة للقوة الشاملة وهي { القوة السياسية ، القوة الاقتصادية ، القوة الاجتماعية ، القوة العلمية ، القوة التكنولوجية. ، قوة  المعلومات والإعلام ، القوة العسكرية والمخابرات } ، ولعله من المعروف أن  امتلاك القوة الاستراتيجية شرط أساسي لتحقيق وحماية وتأمين المصالح الاستراتيجية للدول ، والقوة الاستراتيجية الشاملة تعبر عن أوضاع يمكن تجسيدها في امتلاك الدولة لإرادتها الوطنية ، ويمكن أن تتطور هذه القوة لتبلغ قمتها فيما يعرف بالقوة الاستراتيجية العظمى التي تتيح للدول المعينة تحقيق إرادتها على الساحة الدولية .

ولعل التدبر في العديد من الدراسات التي أجريت مؤخراً عن مستقبل قيادة العالم في القرن الواحد والعشرين، يبين بجلاء انصراف عدد من الدول في عمليات تعزيز القوة الاستراتيجية العظمى لكل منها حتى تستطيع السيطرة على العالم ، والسؤال : لماذا تسيطر على العالم ؟ الإجابة هي لتحقيق مصالحها الاستراتيجية ، في ذات الوقت تجد الدول النامية نفسها ضعيفة أمام مفارقات توازن القوى، وبالتالي تصبح ضعيفة أمام هذا المد الهائل من القوة الاستراتيجية العظمى، فامتلاك القوة العظمى تنهار معه الكثير من قيم الخير وتصبح البشرية جميعها رهينة لقوة لا تسيطر عليها نظم قيمية خيرة، وإذا نظرنا إلى التاريخ لأدركنا حقيقة ما قلت، حروب وموت وقتل ، انتهاء بالحرب العالمية الأولى والثانية التي شهدت موت عشرات الملايين من الناس، كما شهدت أبشع أنواع ووسائل الدمار، وإذا نظرنا إلى فترة الاستعمار لوجدنا أن سلاح القوة تم استخدامه لتحقيق مصالح الأقوياء دون وازع قيمي يسيطر عليها ، وهكذا وصولاً إلى عصرنا هذا حيث يستمر صراع البشر حول المصالح ، وينتج عن كل هذا كثير من الدمار وفقدان الأرواح البريئة ... هنا يبرز التحدي الكبير لكل تلك الدول في أهمية تعزيز قوتها الاستراتيجية حتى تستطيع مواجهة التحديات الدولية مهما طال الزمن ولكن هل من سبيل آخر .. فإن مجرد الحديث عن مصالح استراتيجية لا يكفي فالرغبة في تحقيق مصالح استراتيجية يعني تلقائياً دخول الدولة في صراع المصالح، وهذا لا يستقيم دون امتلاك القوة الاستراتيجية.

إن الديانات السماوية جميعها جاءت من أجل خير البشرية ، وسعت لإرساء قيم الحق والخير على الأرض، وكان رسل الله جميعهم نماذجاً حية لتحقيق خير البشرية وإعمار الأرض دون سعي في فسادها ، هنا يبرز السؤال : هل انقطعت الأرض عن السماء ، لتتم إدارة الأرض دون قيم كتلك التي نزل بها الرسل الكرام أم أن هناك سبيل لربط الأرض بالسماء والحصول على دعم المولى عز وجل .

 

 

القوة الروحية :

إن السرد أعلاه يقودنا إلى الحديث عن العنصر الأهم من عناصر القوة الاستراتيجية الشاملة، ألا وهو القوة الروحية .

قال الله تعالى في محكم التنزيل: "وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ" صدق الله العظيم.

يدعو القرآن الكريم لامتلاك القوة الاستراتيجية أو الشاملة كما يسميها البعض، وهو مبدأ توصل إليه الفكر الإنساني وبلوره في شكل نظريات في المدارس العسكرية .

إن الآية الكريمة " واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم "  تشير إلى أهمية امتلاك القوة كسبيل لتحقيق المصالح في ظل صراع المصالح .

الأمن والقدرة الإلهية :

يحكي التاريخ قصة الراعي الذي جاء أبنه عائداً بالأغنام من المرعى بالخلاء، حيث قال لأبيه : إن شيئاً عجيبا جرى اليوم يا أبي، لقد رضع الذئب مع الغنم ولم يأكلها كما جرت العادة، لقد كان رد الأب عجيباً يدل على عمق في مستوى الفكر الاستراتيجي في ذلك الوقت، لم يقل له سبحان الله كما يمكن أن نتوقع، بل قال له : لقد ولى الله المؤمنين رجلاً صالحاً، { أي حاكماً صالحاً}  علماً بأنه لم يكن يعلم أن أمير المؤمنين توفى وأن الإمام عمر بن عبد العزيز تولى الحكم .

إن إجابة هذا الرجل تدل على عمق فهمه الذي أدرك أن حدوث شيئاً كهذا يتعذر دون تدخل القوة الإلهية، وأن القوة الإلهية لا تتدخل بهذا الشكل إلا في ظل ظروف استثنائية تتمثل في رضاه عز وجل الناجم عن إنزال العمل الصالح الشئ الذي يتطلب الرجل الصالح مثل الإمام عمر بن عبد العزيز الذي ملأ الأرض عدلاً وحقق الرضا للمسلم والمسيحي واليهودي وغيرهم نتيجة لإنزال قيم الخير على الأرض للإنسانية .

عندما قرأت هذه القصة عادت بي الذاكرة إلى قصة سيدنا إبراهيم حيث جرى مشهد مماثل لشكل من أشكال التدخل التي تتعذر للبشر، عندما أصدر المولى عز وجل أمره للنار بأن تكون برداً وسلاماً، لقد قام الله تعالى بإجراء تغيير مؤقت لخاصية السخونة التي وضعها في النار منذ الأزل، وهي ذات القوة التي حولت طبيعة الذئب، وهي ذات القوة التي تنزل المطر لتسقي الزرع والإنسان والحيوان .... وهي ذات القوة التي يمكن أن يستند إليها الإنسان لإدارة الأرض وتحقيق الأمن.

هكذا نجد أن استراتيجية إنزال العمل الصالح الذي تأمر به الديانات السماوية على الأرض، يشكل مدخلاً لا يمكن تجاوزه في ظل التعقيدات الدولية الراهنة والمستقبلية، بل أن ما يعانيه العالم اليوم من عدم أمن واستقرار لا يخرج عن هذا المبدأ، أي أهمية صياغة مفاهيم التخطيط الاستراتيجي لترتكز على تحقيق قوة الدولة بالشكل الذي يقوم على تحقيق الأمن الأنساني .

إن تحقيق الأمن النفسي، الأمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، للمواطن، يعني رضا الأفراد الذي يعني رضا القواعد الشعبية، وهذا من باب العمل الصالح الذي يرضي رب العالمين ويدعوه للتدخل بالتوفيق والسند والعون، كل ذلك يشير إلى أن شفرة النجاح الاسراتيجي هي العمل الصالح، أي السعي لخير البشرية، قال الإمام عمر بن الخطاب ضمن خطابه عند تولى الحكم { إنما ولينا على الناس لنسد جوعتهم ونوفر حرفتهم ونصد عنهم الأعداء } إنه لم يقل إنما ولينا على المسلمين بل قال الناس، أي إنزال العمل الصالح للمسلم وغير المسلم .

 

1    2    3


أعلى ألصفحة

ألسيرة الذاتية

الاسم محمد حسين سليمان أبوصالح الميلاد 1960م الحالة الاجتماعية متزوج { خمسة من البنين والبنات } المؤهلات الأكاديمية : ألمزيد

دورات تدريبية

يعمل د. محمد حسين ابو صالح على تدريب الكوادر للعمل في مجالات التخطيط ألمزيد

محاضرات


إتصل بنا