بسم الله الرحمن الرحيم

 

تعليق حول استراتيجية دارفور لتحقيق السلام الشامل والأمن والتنمية

 

يتناول هذا التعليق مقدمة وسرد لأهم محاور الاستراتيجية وتحليل مقتضب يخلص إلى مقترحات لتطوير الاستراتيجية .

 

تقديم :

 

1.    انطلقت الاستراتيجية على خلفية تعنت الحركات المتمردة ووقوع العديد من الانقسامات بينها ، قادت لحدوث انقسام موازٍ على مستوى المجتمع المدني ، بجانب تصلب المواقف بين جميع الأطراف حال دون توصلها لموقف موحد حول مطالبهم ، لذا تقوم الاستراتيجية على أن إرضاء الفصائل المتمردة المنقسمة لا يكفي لحل المشكلة .

2.    أشارت الورقة للتدخلات الإقليمية المؤثرة التي أسهمت في بروز وتأجيج الصراع .

3.    تقوم الاستراتيجية على تحقيق حل سلمي من خلال جهود ترتكز على خمسة عناصر أساسية هي : الأمن ، التنمية ، إعادة التوطين ، المصالحة ، والمفاوضات .

4.    تسعى الاستراتيجية إلى معالجة أسباب الصراع ، وتهدف إلى تحقيق تسوية سلمية شاملة تعيد الحياة لطبيعتها في دارفور وذلك بإعادة توجيه جذرية لعمليات السلام  ، وفي سبيل ذلك اتبعت تسعة استراتيجيات فرعية هي :

‌أ.       تعزيز الأمن على الأرض بالتعاون مع بعثة اليوناميد .

‌ب.  تعجيل العودة الطوعية الآمنة والمستدامة للنازحين وإعادة توطين اللاجئين .

‌ج.    تنفيذ مشاريع سياسية وتنموية تتضمن إكمال النقص في البنى التحتية في دارفور وسد النقص في الخدمات من خلال تحقيق التنمية المتوازنة  .

‌د.      تمكين جميع قطاعات الرأي العام للإسهام الايجابي وذلك بالتنسيق مع بعثة اليوناميد .

‌ه.   تطبيق العدالة من خلال آليات وطنية بما في ذلك دفع التعويضات واسترجاع الممتلكات .

‌و.     إعادة هيكلة العمليات الإنسانية بغرض التحول من الإغاثة إلى التنمية .

‌ز.     استقطاع الدعم الإقليمي .

‌ح.    تعزيز المصالحة المجتمعية في دارفور .

‌ط.    إبرام اتفاق سياسي نهائي وشامل مبني على أساس التشاور مع مجتمع دارفور آخذاً في الاعتبار المفاوضات والاتفاقيات السابقة .

5.    لمخاطبة الأسباب الجذرية لعدم توفر الأمن في دارفور ، تضمنت الاستراتيجية أربعة خطوات هي:

‌أ.       إكمال إعداد استراتيجية أمنية شاملة وتفصيلية بالتشاور مع أصحاب الشأن في دارفور .

‌ب.  تحديد تدابير وقائية لمكافحة انعدام الأمن بغرض تحقيق الاستقرار .

‌ج.    التوصل لتدابير أمنية مع دول الجوار شبيهة بالاتفاقية التي تمت مع تشاد ، وتقييد حركة المجموعات المسلحة بما يضمن انعدام مصادر جديدة لعدم الاستقرار .

‌د.      حماية جميع المناطق في دارفور من المجموعات المسلحة بتعزيز قدرات الأجهزة الأمنية وتقوية آليات مراقبة الحدود والتفاوض حول اتفاقيات وقف إطلاق النار مع المتمردين وإكمال عمليات إدماج قوات الحركات الموقعة على اتفاقية أبوجا .

 

التعليق :

 

على الرغم من أن الورقة أشارت إلى معالجة جذور المشكلة ، إلا أن الورقة أغفلت جانباً من الأسباب الرئيسية للصراع في دارفور ، يمكن إبرازها باختصار فيما يلي :

1.    لم تبرز الورقة وضع دارفور في إطار الصراع الاستراتيجي الذي يشمل كل السودان ، فالمعروف أن الصراع الاستراتيجي يدور حول محاور ستة تنطبق جميعها على السودان ، بالتدبر فيها يمكن النظر لقضية دارفور بمنظور مختلف وبالتالي فإن التأسيس لحل قضية دارفور يجب أن يتم وفق منظور شامل يراعي هذا الصراع الاستراتيجي ، ومحاور الصراع هي :

                               ‌أ.      الطاقة : وتتوفر بكمية استراتيجية بجميع مكوناتها في السودان ، وأهمها النفط ، الغاز الطبيعي ، اليورانيوم الذي يرتبط بالطاقة الأعظم ، وهو ما يفسر الصراع المحموم بين الدول الكبرى في غرب السودان ، وهناك الطاقة الشمسية التي تبرز الآن بقوة في ظل تزايد الاستهلاك العالمي من الطاقة والتهديد بنضوب موارد الطاقة ، وهو ما يقف بشكل أساسي خلف مشروع الأطلسي { الاتحاد الأوربي مع شمال إفريقيا } .   

                          ‌ب.      الماء العذب ، ويجب الإشارة هنا إلى الصراع الدولي في السودان يدور الآن حول مصادر المياه ( غير النيلية ) التي سيتم من خلالها زراعة أراضي السودان فالمعلوم أن السودان في طريقه للاستغلال الكامل لحصته من مياه النيل فيما تواجه مصر مشكلة الأمن الغذائي والمائي ، وهناك المصالح الأمريكية والإسرائيلية في المياه والغذاء ، ودارفور جزء من حزام السافنا الذي تهطل فيه كميات ضخمة من هذه المياه التي يتوقف عليها الأمن القومي لدول أخرى منها مصر وإسرائيل .

                            ‌ج.      الأرض الزراعية الخصبة بمساحة تفوق المائتي مليون فدان { نصفها في حزام السافنا } ، تضع السودان بجانب كندا واستراليا ،  لسد فجوة الغذاء العالمي  ، إذن هناك فرصة للسودان لتحقيق مصالح استراتيجية ، إلا أنها أصبحت تمثل مدخلاً للتهديد وهو ما يبين  خطورة غياب الترتيبات المناسبة ، لارتباطها بالصراع حول الغذاء الذي يشكل أحد مفاتيح الصراع الاستراتيجي .

                              ‌د.      امتلاك المعادن الاستراتيجية الثمانية ، ويقصد بها المعادن التي لا يمكن أن تستغني عنها الصناعة الاستراتيجية في العالم ، وهي صناعة تحتكر بشكل أساسي بواسطة لوبي المصالح والصهيونية ، وجانب كبير من هذه المعادن يوجد في مناطق النيل الأزرق ودارفور وجبال النوبة وشرق السودان .

                           ‌ه.      محور الثقافات والمعتقدات متمثلاً أهمها في الاستراتيجيات الصهيونية ، الأمريكية واستراتيجية حزام السافنا :

1.    الاستراتيجية الصهيونية : السودان يقع بشكل مباشر في مسرح الاستراتيجية الصهيونية ويكفي تصريحات وزير الأمن الإسرائيلي قبل أشهر قليلة بأن السودان يمتلك من المقومات ما يمكن إن توفر له الاستقرار ، أن يحوله لدولة إقليمية كبرى تهدد المشروع الصهيوني برمته ، ولعل هذا الحديث يشير إلى أن مقومات الاستراتيجية المضادة تكمن في استمرار خلق حالة من عدم الاستقرار بالسودان ، وهو ما يفسر الأيادي الصهيونية خلف ملف دارفور وجنوب السودان .

2.    الاستراتيجية الأمريكية : وهي تهتم بشكل أساسي بالسيطرة على مصادر الطاقة والموارد الطبيعية الاستراتيجية والسيطرة على البحر الأحمر والتي تتكامل فيها مع الاستراتيجية الصهيونية التي تهدف لمنع تحويل البحر الأحمر لبحيرة عربية .  

3.    استراتيجية حزام السافنا السوداني :

وهو شريط تبلغ مساحته أكثر من 400.000 كلم ، ويتميز بثروات طبيعية هائلة كافية جعلته منطقة صراع اقتصادي عالمي من أهم الأبعاد الاستراتيجية لهذا الحزام هو كونه الرباط بين إفريقيا شمال الصحراء وجنوبها، وأن انتشار الإسلام وسط وشرق وغرب إفريقيا عبر هذا الحزام يعني على المدى البعيد السيطرة الإسلامية على إفريقيا التي تُعد أكبر مخزن للموارد الطبيعية في العالم ، وهو وضع يهدد أصحاب المصالح الاقتصادية فضلاً عن تناقضه مع الأهداف الغربية والصهيونية ، وهو ما دعا لوضع الاستراتيجية المعروفة باستراتيجية حزام السافنا ، التي شكلت الرؤية الغربية للتحرك فيه بما في ذلك ما يجري حالياً في دارفور ، ابتداء من قانون المناطق المقفولة ومحاولات مسخ الثقافة العربية في فترة الاستعمار انتهاء بالنشاط الأمريكي والغربي والصهيوني المكثف في بداية التسعينيات بمنطقة جبال النوبة التي تشكل قلب حزام السافنا السوداني وتحرك نحو دارفور الكبرى ليشمل ما يجري فيها حالياً من صراع ، وسيتجه نحو شرق الحزام .

كما أن وجود كميات استراتيجية من اليورانيوم في هذا الحزام ، وارتباطه بالصراع الاستراتيجي مقروناً برؤية الولايات المتحدة التي ترى في سيطرة الشمال المسلم المتطرف علي اليورانيوم خطورة عليها وعلى التوازن الاستراتيجي الدولي ، خاصة وأن السودان يرتبط بعلاقات مع دول ذات قوة استراتيجية تنافس الولايات المتحدة وهي الصين واحتمالات تحقيق اختراق مع روسيا وفرنسا بجانب إيران ، وهناك الطمع في ثروات حفرة النحاس بدارفور ، كل ذلك يشير إلى استمرار الغرب لتنفيذ استراتيجية حزام السافنا التي وضعها الخبير الاستراتيجي البريطاني تيرمنقهام .

 

2.    الآثار البيئية المتمثل أهمها في القطع الجائر للغابات في العمق الإفريقي وجنوب السودان وحزام السافنا ، قاد بشكل مباشر لتوفير الأوضاع المواتية للصراع نتيجة لتراجع خط المطر وبالتالي دخول بعض مناطق دارفور إلى الحزام الجاف وبالتالي حدثت الهجرة إما نحو الجنوب وبالتالي حدوث النزاع المسلح ، أو حمل الشباب للسلاح المتوفر بكثرة في المنطقة ، وذلك نتيجة لفقدان وطنهم ومصادر معيشتهم ، ليصبح كسب عيشه في سلاحه .

3.    هذا الجانب مقرونا بقضايا الرعاة الرحل والمزارعين ، يستوجب النظر بوضوح إلى تأسيس ترتيبات استراتيجية لحصاد المياه وتغيير النمط الرعوي .

الخلاصة :

1.    هناك خلفيات تمثلها المصالح الاستراتيجية الأجنبية هي التي هيأت للصراع في دارفور وهي التي ظلت تمول الحركات المسلحة وهي التي قد تستمر في استنساخ حركات جديدة  ، ولعل بيان وزارة الخارجية الأمريكيـة الصادر هذا الأسبوع { العصا والجزرة } وتضمنه { لوعد بإنهاء الصراع في دارفور } يشير إلى ذلك .

2.    الاستراتيجية أشارت عرضاً للترتيب على المستوى الإقليمي وكسب تعاونها بالتوصل لتدابير أمنية وتقييد حركة المجموعات المسلحة بما يضمن انعدام مصادر جديدة لعدم الاستقرار ، لكن في ظل هذه المصالح الاستراتيجية المشار إليها أعلاه ، يمكن أن نتوقع ضغوط على الأنظمة في هذه الدول ، ويبدو ذلك ممكناً ، فدولة تشاد تواجه النفوذ الفرنسي والصهيوني عليها ، ويوغندا وإثيوبيا وارتريا أصبحت مسرحاً للولايات المتحدة وإسرائيل .

3.    الاستراتيجية لم تراعي الترتيبات الاستراتيجية على الصعيد الدولي ، لذلك ليس من المنطق قبول ما جاء في الاستراتيجية من نقد للممارسة والسلوك الأجنبي حول دارفور ، من أمثلته في الورقة { نقد للمجتمع الدولي الذي ظل يرسل رسائل متضاربة كالدعوة للسلام والمحكمة الجنائية ، والمواقف السالبة للدول الإفريقية ، والتشويه لصورة دارفور والإشارة إلى عدم قدرة الدول المعنية على إرسال رسائل داعمة للسلام }.. من الأفضل النظر لهذه الجوانب وغيرها من ممارسات وسلوك وتصرفات الدول الإقليمية والأجنبية ، من منظور الصراع الاستراتيجي ، وبالتالي سيبدو واضحاً أن الدول المعنية قادرة على إرسال رسائل واضحة داعمة للسلام ، وأن تشويه صورة دارفور هو أمر مقصود وأن إنتاج الحركات المتمردة واستنساخها وصناعة القيادات الوطنية بأجهزة المخابرات . هو عملية مقصودة. إلخ جميعها ترتيبات باتت معروفة في عمليات الصراع الاستراتيجي ، لأن الأمر يتعلق بإدارة مصالح استراتيجية من خلال خطط تكتيكية ومرحلية يتم تنفيذها عبر شراكات وتقاسم للأدوار بين حكومات الدول الأجنبية ومنظمات المجتمع المدني وشركات القطاع الخاص التي سيأتي دورها في مراحل لاحقة، فالأفضل للاستراتيجية الجديدة في دارفور النظر لهذه المواقف من المنظور الاستراتيجي والسعي لوضع ترتيبات استراتيجية حقيقة تراعي هذا الوضع  .

تطوير الاستراتيجية :

بناء على ما سبق نقترح الآتي :

1.    التأمين على جميع الترتيبات التي جاءت بالاستراتيجية ويمكن أن نطلق عليها ترتيبات المحور الداخلي.

2.    تطوير الاستراتيجية لتشمل ترتيبات المحور الإقليمي التي تقوم على مبدأ ربط المصالح من خلال ترتيبات استراتيجية لتبادل المصالح الاستراتيجية وتأسيس شراكات استراتيجية مع هذه الدول يمكن أن تشمل الثروات الاستراتيجية المشتركة ومشروعات إنتاج الغذاء وحصاد المياه والنقل الاستراتيجي والطاقة .. إلخ .

3.    تطوير الاستراتيجية بترتيبات استراتيجية على الصعيد الدولي تسمى { ترتيبات المحور الدولي } لتأسيس مصالح وشراكة دولية عادلة بين السودان والدول المعنية وذلك في إطار التوازن الاستراتيجي تشمل الغذاء والماء والطاقة ، يتم من خلالها تحويل مصادر التهديد المتمثلة في الموارد الاستراتيجية إلى مصادر لتحقيق الأمن القومي .

4.    أوضاع الغذاء والماء والانفجار السكاني في المنطقة مقروناًً باستراتيجية الولايات المتحدة في الغذاء والطاقة ، تعطي الفرصة للسودان لتأسيس الترتيبات الاستراتيجية لتحقيق الأمن القومي بالاستناد على هذه المعطيات وبالتالي فان حصاد المياه في دارفور وحزام السافنا سيمكن من تأسيس شراكة استراتيجية دولية وإقليمية فضلاً عن إسهامه في حل مشكلة المزارعين والرعاة .

5.    الشراكة الاستراتيجية المذكورة ستمكن من توفير فرص عمل ضخمة لأبناء دارفور والحزام ، وبالتالي فإن هذا الوضع مقروناً مع توفر الخدمات وتطبيق العدالة والتعويضات وغيره مما جاء بالاستراتيجية ، سيمكن من تغيير ثقافة حمل السلاح والعودة الطوعية وإتاحة الفرصة لتشكيل ثقافة وسلوك جديد يعزز الأمن والاستقرار .

6.    لا يمكن تحقيق كل ذلك إلا بتأسيس حوار استراتيجي على مستوى دارفور يؤمن على هذه الترتيبات ومن ثم الدعوة لإدارة حوار استراتيجي على المستويات الثلاث :

‌أ.       الوطني .

‌ب.  الإقليمي .

‌ج.    الدولي .

 

تطوير الاستراتيجية بهذا الشكل يعني توفير النظرة العميقة الشاملة لأسباب وجذور الصراع على المستوى المحلي ليس في دارفور وإنما كل مناطق الحزام السوداني ، فضلاً عن البُعد الإقليمي والدولي  .

قد يكون من المناسب النظر للحديث الشريف { الناس شركاء في ثلاث } من منظور الأمن القومي .

 

د. محمد حسين أبوصالح

 

15/9/2010م

أعلى ألصفحة

ألسيرة الذاتية

الاسم محمد حسين سليمان أبوصالح الميلاد 1960م الحالة الاجتماعية متزوج { خمسة من البنين والبنات } المؤهلات الأكاديمية : ألمزيد

دورات تدريبية

يعمل د. محمد حسين ابو صالح على تدريب الكوادر للعمل في مجالات التخطيط ألمزيد

محاضرات


إتصل بنا