مفهوم التخطيط الاستراتيجي للاقتصاد :

من خلال استعراض وتحليل مؤثرات البيئة العالمية يتبين أن ما يجرى في الساحة الدولية ما هو إلا صراع شرس للمصالح، لا مجال فيه إلا لأصحاب القدرات التفاوضية القوية والقدرات التنافسية المتفوقة والمزايا النسبية العالمية، من هنا يمكن أن نتبين مفهوم التخطيط الاستراتيجي للاقتصاد :

( وهو بوجهة نظر المؤلف يقوم على بلورة وتحقيق المصالح الاستراتيجية الوطنية الاقتصادية للدولة في ظل التحديات على المستوى العالمي والإقليمي والمحلي، وامتلاك القوة الاستراتيجية الاقتصادية وما تشمله من الاستفادة المثالية من الموارد واستنباط وتنمية موارد جديدة والمحافظة على البيئة ويتضمن امتلاك الطاقة وتحقيق التنمية المتوازنة والأمن الغذائي والمائي.

كما يتضمن الحصول والمحافظة على حصص استراتيجية في الأسواق العالمية وتحقيق قدر عالٍ من الدخل القومي للدولة يمكنها من تقديم خدمات متكاملة لمواطنيها، مع عدالة توزيعه، وإفراز فلسفة تعمل على تأسيس شراكة دولية للدولة مع الأسرة والمصالح الدولية بأفضل شروط ممكنة، ويعمل على تنويع مصادر الدخل القومي وبناء القدرات التنافسية والمزايا النسبية العالمية وتحقيق الارتباط والتكامل والتناسق بين الأنشطة المتعلقة بالاقتصاد في الدولة بما في ذلك ربط صغار المنتجين بالمصـالح الوطنية الكبرى والدولية، بما يؤدي إلى توفير فرص عمل كافية ورفع مستوى الدخل للمواطنين والمنتجين وتعزيز القدرات الأمنية للدولة من خلال الجانب الاقتصادي. )

المحاور الرئيسة للمفهوم :

يتناول المفهوم المحاور التالية :

1.     امتلاك القوة الاستراتيجية الاقتصادية.

2.     بلورة وتحقيق المصالح الاستراتيجية الوطنية الاقتصادية للدولة.

3.     الاستفادة المثالية من الموارد واستنباط وتنمية موارد جديدة.

4.     المحافظة على البيئة.

5.     امتلاك طاقة آمنة رخيصة .

6.     تحقيق الأمن الغذائي والمائي.

7.     الحصول والمحافظة على حصص استراتيجية في الأسواق العالمية.

8.     تنويع مصادر الدخل القومي.

9.     تحقيق قدر عالٍ من الدخل القومي للدولة مع عدالة توزيعه.

10.     توفير فرص العمل .

11.     إفراز فلسفة تعمل على تأسيس شراكة دولية للدولة مع الأسرة والمصالح الدولية بأفضل شروط ممكنة.

12.     بناء القدرات التنافسية والمزايا النسبية العالمية.

13.     تحقيق الارتباط والتكامل والتناسق بين الأنشطة المتعلقة بالاقتصاد في الدولة.

14.     رفع مستوى الدخل للمواطنين والمنتجين.

 

1. الرؤية الوطنية حول المصالح الاستراتيجية :

إن التدبر في مفهوم التخطيط الاستراتيجي للاقتصاد يشير إلى سعيه لتحقيق مصالح طموحة فهو لا يتحدث عن زيادة تقليدية للدخل القومي وإنما زيادة كبيرة تمكن الدولة من تقديم خدمات متطورة لمواطنيها، ولا يتحدث عن زيادة الدخل القومي فحسب وإنما يمتد كذلك ليشمل توزيع ذلك الدخل، فالعديد من الدراسات التي صدرت عن مؤسسات اقتصادية دولية أشارت إلى أن 80% من الدخل العالمي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية يذهب لـ 20% فقط من سكان العالم، وأن 50% من الدخل العالمي يذهب لعدة مئات من الشركات، لذا كان لا بد للتخطيط الاستراتيجي الاقتصادي أن يفرز اهتماماً بزيادة الدخل القومي مع عدالة توزيعه ويشمل ذلك تحقيق التنمية المتوازنة التي تحقق العدالة بين أطراف الدولة المختلفة.

كما أن تحقيق مصالح طموحة يعني مواجهة تحديات كبيرة على الساحة الدولية والإقليمية والمحلية، من ذلك الصراع الدولي حول المصالح الذي تقوده القوى الكبرى التي قد لا تتوانى في استخدام كافة الأساليب لتحقيق مصالحها، بجانب تعقيدات التجارة العالمية وتعقيدات تحقيق المزايا النسبية.

كل هذه الأوضاع يتعذر التعامل معها إلا من خلال رؤية وطنية حول المصالح الاستراتيجية الاقتصادية بحيث تصبح خارج إطار الصراع السياسي، وبدون ذلك يصبح الحديث عن تحقيق تنمية اقتصادية طموحة مجرد حديث غير دقيق.

2. امتلاك القوة الاستراتيجية الاقتصادية :

من أهم عناصر القوة الشاملة للدولة هو القوة الاقتصادية، والتي يساهم امتلاكها في تحقيق الأمن القومي، ولعل تحول اليابان وألمانيا من الضعف والهزيمة عقب الحرب العالمية الثانية إلى قوة عالمية بفضل أساسي يرجع للقوة الاقتصادية والعلمية، يشير إلى أهمية هذا الأمر، الذي يؤيده انضمامهما إلى مجموعة الثمانية التي تشكل القوة العظمى في العالم، لذا فإن امتلاك القوة الاقتصادية خاصة لدول ذات إمكانات وموارد اقتصادية، يعتبر ترتيباً استراتيجياً ملحاً.

3. الاستفادة المثالية من الموارد واستنباط وتنمية موارد جديدة :

التحديات على الساحة الدولية التي يتجسد أهمها في زيادة سكان كوكب الأرض في ظل شح الموارد الطبيعية يجعل من تحديد أفضل الأساليب والطرق لاستغلال الموارد الطبيعية وتنميتها أمراً استراتيجياً لا مناص عنه، فعلى سبيل المثال لن يكون مقبولاً في ظل الظروف المشار إليها أعلاه أن يتم استخدام تقنيات متخلفة في الزراعة أو الري في الدول الغنية بالموارد الزراعية باعتبار أن إهدار هذه الموارد هو إهدار لموارد يمكن أن يستفاد منها عالمياً وهي بهذا الوضع لها اتصال بالأمن العالمي، وهو ما يمكن أن يبرر التدخل الدولي في شأن الدول الأخرى الغنية بمثل تلك الموارد ما لم يتم استيفاء ترتيبات استراتيجية بهذا الخصوص. لذا لا يمكن الحديث عن تخطيط استراتيجي اقتصادي دون الاهتمام بهذا الموضوع.

4. المحافظة على البيئة :

تعددت الدراسات التي أشارت لخطورة تدمير وإفساد البيئة، من ذلك أثر الاحتباس الحراري وأثر قطع الغابات على تراجع حزام المطر الذي يقود لخروج ملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية من دائرة الزراعة لاعتمادها على الري بالمطر، وكل ذلك يهدد ليس المصالح المحلية للدول فحسب وإنما يهدد كذلك المصالح العالمية، فضلاً عن التأثيرات الأخرى لهذا الأمر مثل إجبار السكان للنزوح والذي بدوره قد يؤدي للصراع مع سكان المناطق التي يتم النزوح إليها.. إلخ، لذا أصبح موضوع الاستغلال المثالي للموارد وتنميتها جزءاً أصيلاً من التخطيط الاستراتيجي الاقتصادي.

5. تحقيق الأمن الغذائي والمائي :

يجمع الإستراتيجيون على أن عدم امتلاك أي دولة للماء والغذاء الكافيين يعني تهديد الأمن القومي لتلك الدول، وهكذا أصبح الغذاء أحد أهم أنواع الأسلحة التي يمكن استخدامها في الصراع الدولي، وسبق أن استخدمته الولايات المتحدة الأمريكية ضد الاتحاد السوفيتي والصين، ينطبق ذات الأمر على الماء، الذي قادت ندرته إلى بروز ما يسمى بحرب المياه، لذا فإن أي ترتيب استراتيجي لأي دولة من الدول لا بد له من تأمين الغذاء والماء.

6. أمن الطاقة :

من المعروف أن تحقيق التنمية في أي بقعة من العالم وتوفير الحياة الكريمة، أصبح لا غنى عنه من الطاقة، وفي ظل شح الموارد الطبيعية من الطاقة في ظل تزايد الاستخدام البشري لها، برز للعالم الصراع حول مصادر الطاقة، وهو أمر له تبعات خطيرة تصل للدرجة التي تجعل من الدولة التي لا تملك الطاقة دولة ضعيفة أو مهددة أمنياً، ولعل مفهوم الأمن القومي الأمريكي يقوم على هذا الفهم، وهو السبب في محاولات الولايات المتحدة الأمريكية للسيطرة على مصادر الطاقة المهمة في العالم، وهو أحد الأسباب الرئيسة التي جعلت الصين تتجه نحو إفريقيا.

7. الحصول والمحافظة على حصص استراتيجية في الأسواق العالمية :

هناك ارتباط كبير بين كل من تحقيق الرفاهية للمواطن وزيادة الدخل القومي وامتلاك القدرات التنافسية وتحقيق الأمن القومي من خلال البوابة الاقتصادية، بالحصول على حصص استراتيجية في الأسواق العالمية، وهو ما يجعل من هذا البند أحد أهم محاور التخطيط الاستراتيجي الاقتصادي، وسنتناوله بالشرح من خلال هذا الفصل.

8. تنويع وتحقيق قدر عالٍ من الدخل القومي للدولة :

إن التخطيط الاستراتيجي على وجه العموم لا يتحدث عن مصالح صغيرة وإنما يسعى لتحقيق مصالح ضخمة وهو ما يبدو واضحاً في الاستراتيجيات اليابانية والألمانية والكورية الجنوبية والماليزية وغيرها. وبما أن الرفاهية هي أحد أهم أهداف التخطيط الاستراتيجي الاقتصادي، فإن ذلك يتعذر في ظل دخل قومي محدود، كما أن المفهوم الاستراتيجي للاقتصاد لا يتحدث فقط عن زيادة الدخل بل وعدالة توزيعه، يضاف لذلك أن التخطيط الاستراتيجي السليم للدولة لا يمكنه الاعتماد على مصادر محدودة للدخل قابلة للهزات الدولية والعكس صحيح.

9. الشراكة الدولية

إن طبيعة صراع المصالح الدولية وتعقيدات الاقتصاد العالمي وحاجة الدول لمزايا وقدرات بعضها البعض، وارتباط الاقتصاد بالجوانب الأمنية للدول، جميعها ساهم في بلورة فلسفة تقوم على أهمية الشراكات الدولية، والاتفاق على أن ربط المصالح دولياً من أهم الوسائل لتحقيقها وتأمينها. فليس بمقدور أي دولة من الدول مهما أوتيت من قوة في ظل التشابك الدولي للمصلح وتعقيداته الراهنة، أن تتبنى سياسات عدائية مع العالم بأجمعه في الجانب الاقتصادي.

إن الشراكات الدولية ليست أمراً ميسوراً يمكن لأي دولة عقده وقت ما تشاء وكيفما تشاء، فصراع المصالح الدولية يجعل من الدول القوية تسعى لتحقيق مصالحها على حساب الآخرين، وإن دخلت في شراكات دولية مع دول أخرى فهي تسعى لتأسيسها بما يحقق لها أفضل المكاسب، وهو ما يقود لأهمية الترتيب الاستراتيجي المسبق الذي يقود نحو تأسيس شراكات دولية بشروط مقبولة وعادلة.

10. بناء القدرات التنافسية والمزايا النسبية العالمية :

في ظل الأوضاع العالمية الراهنة المعروفة بالعولمة، فقد أصبح امتلاك القدرات التنافسية العالمية هو المفتاح الوحيد للتعامل مع الاقتصاد العالمي، وبدون ذلك لا يمكن الحديث عن مصالح اقتصادية استراتيجية ولا يمكن الحديث عن تحقيق الأمن القومي للدول. لذا فلن يكون من المنطق الحديث عن تحقيق تنمية طموحة ومواجهة تحديات البيئة الدولية دون ترتيبات تقود نحو تحقيق المزايا والقدرات التنافسية العالمية، وهو ما يعزز من أهمية الأمر وإدراجه ضمن مفهوم التخطيط الاستراتيجي للاقتصاد.

1    2
أعلى ألصفحة

ألسيرة الذاتية

الاسم محمد حسين سليمان أبوصالح الميلاد 1960م الحالة الاجتماعية متزوج { خمسة من البنين والبنات } المؤهلات الأكاديمية : ألمزيد

دورات تدريبية

يعمل د. محمد حسين ابو صالح على تدريب الكوادر للعمل في مجالات التخطيط ألمزيد

محاضرات


إتصل بنا