بسم الله الرحمن الرحيم

د. محمد حسين أبوصالح

الخرطوم يناير 2012

 

مدخل :

من المهم جداً ونحن نتناول التخطيط الاستراتيجي في مجال التعليم والتربية على مستوى الدولة ، أن نتناول ذلك من خلال الاستراتيجية القومية التي تعبر عن المصالح الوطنية للدولة وكذا عقباتها والمشكلات التي تعترضها داخل الدولة وخارجها ، ومن الضروري بمكان أن الاستراتيجية القومية وما تشمله من استراتيجيات فرعية وما استندت عليه من تحليل استراتيجي ، توفر الرؤية الاستراتيجية الشاملة لما تريد أن تحققه الدولة وبالتالي طبيعة ونوع وحجم ومستوى الموارد البشرية المطلوبة لتنفيذ الاستراتيجية مما يستلزم التطرق إلى بعض المفاهيم المتعلقة بالاستراتيجية القومية والمصالح الاستراتيجية وخارطة المسار الاستراتيجي ومن ثم التعرض لاستراتيجية الدولة في مجال التربية والتعليم العام .

 

مفهوم الاستراتيجية :

هي كل الأطروحات والوسائل والأفكار المتناسقة والمتكاملة التي من شأنها تحديد وتحقيق المصالح الوطنية وتحقيق ميزات وقدرات تنافسية من منظور عالمي للدولة ومؤسساتها، وتمكنها من تحقيق غاياتها عبر أحسن استغلال للفرص والموارد، وتستجيب عبرها للمخاطر والتهديدات ونقاط الضعف في البيئة المحلية والدولية، ويتم عبرها تحديد الرؤية والرسالة والغايات والأهداف الاستراتيجية للدولة.[1]

كما يمكن تعريفها بقدرة الدولة على تشكيل المستقبل وفق الإرادة الوطنية.

التخطيط الاستراتيجي :

هو العملية التي يتم من خلالها وضع الاستراتيجية وتتضمن التحليل الاستراتيجي واختيار التوجه والمصالح الاستراتيجية وتحديد البدائل ، ويُعنى بإيجاد الترابط والتناسق بين الأهداف الاستراتيجية والمرحلية والأهداف قصيرة الأجل، وكذا الترابط والتناسق بين الأهداف والتشريعات والسياسات الاستراتيجية، وتحقيق التكامل بين كل منها بما يضمن أن كافة الجهود المتناثرة تصب تجاه تحقيق الغايات المحددة بأفضل السبل والتكاليف وذلك في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمهددات والمخاطر والتطورات العلمية محلياً وإقليمياً ودولياً.[2]

أهمية الاستراتيجية :

من أهم مزايا الاستراتيجية أنها تضع الدولة في موضع المبادرة بدلاً عن موطن الاستجابة عند التخطيط لتشكيل المستقبل، فهي بذلك تمكن من التأثير بفاعلية أكثـر نتيجة لعنصر المبادرة، عكس أسلوب ردود الأفعال الذي يتميز بمحدودية الأثر والاستجابة من البيئة، وبالتالي فإن الاستراتيجية وفق هذا المفهوم تصبح وسيلة أساسية لتحقيق السيطرة سواء على مصالح الدولة في البيئة أو على مصيرها، كما تتميز الاستراتيجية أيضاً بكونها تتيح فرصة أكبر للقيادة لفهم نشاط الدولة، وبالتالي التزامها.

الفرق بين التخطيط والتخطيط الاستراتيجي

التعرف على طبيعة الفرق بين التخطيط والتخطيط الاستراتيجي مسألة ضرورية حيث توضح دور استراتيجية التعليم العام وهي مهمة تختلف عما لو تناولنا خطة التخطيط للتعليم ، يضاف لذلك أن التعرف على الفرق على المستوى العام يحدد أيضاً مهام استراتيجية التعليم العام بشكل أعمق ،.. برؤية الباحث ، يمكن توضيح الفرق بين التخطيط بمفهومه العادي والتخطيط الاستراتيجي كما يلي:

1.     أن التخطيط بمفهومه العادي يعمل على التنبؤ بالمستقبل، وهي مهمة دائماً ما تعتمد على دراسة وتحليل بيانات ومعلومات الماضي والحاضر، أما التخطيط الاستراتيجي فهو لا يسعى للتنبؤ بالمستقبل وإنما يسعى إلى تشكيل المستقبل من خلال بلورة وتحقيق أهداف كبرى غالباً ما تتصف بالجراءة والمبادرة قد يسبق تحقيقها إجراء تغييرات أساسية وجوهرية في البيئة لتغيير الواقع بما يوفر الأوضاع الملائمة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، وهي جوانب يتعلق تحقيق العديد منها باستراتيجية التعليم العام.

3.     أن التخطيط العادي غالباً ما يسعى إلى بلورة أهداف محدودة لا تحتاج إلى فترة زمنية طويلة لتحقيقها، عكس التخطيط الاستراتيجي الذي يسعى إلى تحقيق أهداف كبرى طموحة لا يمكن تحقيقها في فترة زمنية قصيرة ، ولعل تشكيل سلوك جديد أو ثقافة جديدة هي قضية تحتاج لمسار زمني طويل لا يمكن تحقيقه من خلال خطط قصيرة الأجل .

4.     غالباً ما يرتبط التخطيط العادي بالبيئة المحلية بينما نجد التخطيط الاستراتيجي يمتد ليشمل البيئة الدولية، لعل مثالاً لذلك هو معظم الدول النامية ومعظم شركاتها ومنظماتها، حيث نجدها تسعى إلى تحقيق أهداف محلية، يعزز ذلك شعارات الاكتفاء الذاتي وتقليل الواردات خفضاً للصرف من العملات الأجنبية الخ، وكذا الشركات في تلك الدول حيث نجد أن المصانع غالباً ما تقوم لسد حاجة محلية، انظر إلى معظم الشركات بالدول النامية خلال خمسين عاماً، من الصعوبة أن تجد شركة برزت لتحقيق أهداف في السوق العالمي ، وهكذا في مجال الإعلام حيث نلاحظ محلية الإرسال وعدم وجود استراتيجيات لاستهداف جمهور عالمي، على العكس تماماً نجد أن دول أخرى طبقت مفهوم التخطيط الاستراتيجي كاليابان والصين وكوريا والدول الأوربية، ينطلق تخطيطها من منظور عالمي لتحقيق أهداف في أسواق عالمية، لذلك نجد السمة العامة لنشاط تلك الدول هو السعى إلى تحقيق أهداف في السوق العالمي، إذن إتباعهم للتخطيط من منظور عالمي مفتوح جاء نتيجة للتخطيط الاستراتيجي بينما نجد تخطيط معظم الدول النامية يأتي من منظور محلي ضيق نتيجة لإتباع أسس التخطيط العادي، وهذا يجسد أحد الفروق بين التخطيط العادي والاستراتيجي ، وهذا الفرق يلقي بتبعاته على استراتيجية التعليم حيث يجب توفير كوادر تناسب تعقيدات وتحديات ومطلوبات التنافس العالمي .

 

التغيير الاستراتيجي : وهو برؤية الباحث :

القيام بترتيبات أساسية من شأنها توفير الأوضاع والظروف المطلوبة لتحقيق الغايات والأهداف الاستراتيجية والسعي لإحداث نقلة أساسية في القدرات التنافسية للدولة وتعزيز قدراتها تجاه تحقيق المصالح الوطنية الاستراتيجية التي يفرزها التخطيط الاستراتيجي القومي ، وهناك سبعة أنواع رئيسة للتغيير الاستراتيجي هي:

1.     التغيير الثقافي .

2.     التغيير الإداري .

3.     التغير السياسي .

4.     التغيير في نطاق العمل .

5.     التغيير المؤسسي .

6.     التجديد والتميز .

7.     التغيير الفني أو الهندسي .

التغيير الثقافي

في هذه الورقة نتناول التغيير الثقافي باعتباره أكثر مجالات التغيير ارتباطاً باستراتيجية التعليم ، وهو يعد أهم أنواع التغيير الاستراتيجي .

من التحديات الكبيرة التي واجهت التخطيط الاستراتيجي للكثير من الدول المتقدمة خلال القرن الماضي هو الإشكالات الثقافية ومنها الإشكالات السلوكية، سلبية ذهنية بعض المواطنين {Mentality}، عدم احترام العمل والزمن، طريقة التفكير ، ضعف ثقافة التخطيط ، ضعف ثقافة خطة الوطن ، ضعف الشراكة بين السلطة المهنية والسلطة السياسية وسوء السلوك السياسي الذي يضر بقدرات الدولة في إدارة التنافس الدولي وبلورة مسارها الاستراتيجي، المجاملة على حساب المصلحة العامة ، عدم قبول النقد ، عدم احترام النظام والتقيد به ، عدم الثقة في العمل كروح فريق ، الروح الفردية ، سيادة الانتماءات الشخصية والحزبية والجهوية على المصالح الوطنية ، وسوء السلوك الاجتماعي كالإتكالية ، النزعات العرقية ، أو اهتمام أصحاب المواشي والأغنام بإكثارها والعناية بها دون إدخالها في العملية الاقتصادية كسلوك اجتماعي يحرم الدولة من الاستفادة من تلك الثروة .. الخ مما شكل أرضية هشة لا تتحمل أي أهداف استراتيجية طموحة كتلك التي حققتها بالفعل العديد من تلك الدول، الشيء الذي يجعل من التغيير الاستراتيجي الثقافي مدخلاً مهماً بل وأساسياً لنجاح التخطيط الاستراتيجي .وهو رغم أهميته لا يزال مهملاً في معظم استراتيجيات الدول النامية.

إن إتمام عملية التغيير الثقافي هي من أهم واجبات استراتيجية التعليم العام والتي تشكل السند الأساس لنجاح الاستراتيجية القومية .

 

ألسيرة الذاتية

الاسم محمد حسين سليمان أبوصالح الميلاد 1960م الحالة الاجتماعية متزوج { خمسة من البنين والبنات } المؤهلات الأكاديمية : ألمزيد

دورات تدريبية

يعمل د. محمد حسين ابو صالح على تدريب الكوادر للعمل في مجالات التخطيط ألمزيد

محاضرات


إتصل بنا

1    2    3


أعلى ألصفحة