بسم الله الرحمن الرحيم

التخطيط الاستراتيجي ما بين المفهوم والتطبيق

 

إشارة خاصة لتخطيط البنى التحتية والعمران

 بولاية الخرطوم

 

د. محمد حسين أبوصالح

 

الخرطوم مايو 2012م

مدخل :

حاولت من خلال هذه الورقة،(  وهي في حقيقة الأمر تلخيص لبعض جوانب أوردتها في كتابي : التخطيط الاستراتيجي القومي )  توضيح فكرة التخطيط الاستراتيجي القومي وذلك لأكثر من سبب منها طغيان ثقافة التخطيط الاستراتيجي لمنظمات الأعمال وهو علم بحكم تكوينه لا يستطيع التعامل مع تعقيدات التخطيط في الدولة بجوانبها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعلمية والإعلامية والتقنية بما في ذلك تعقيدات تحقيق التكامل والتناسق للنشاط الوطني ومنهج وأسس وخطوات الإدارة الاستراتيجية للدولة التي تؤمن الأوضاع المطلوبة لتنفيذ الاستراتيجية بما في ذلك تأسيس الشراكات الوطنية بين الحكومة والمجتمع ، وتطوير البنية التشريعية وحزمة السياسات على خلفية المصالح الاستراتيجية  . كما رأيت أن توضيح الفكرة من شانه أن يساعد في الحكم على الأداء الوطني في هذا الجانب وقد يساعد في الإجابة على السؤال المهم : لماذا نتخلف رغم كل ما نملك في الوقت الذي تتقدم فيه دول لا تملك ما نملك من مزايا وموارد ؟

لتحقيق ذلك اهتمت الورقة بتوضيح مفهوم الاستراتيجية ، التخطيط الاستراتيجي ، مجالات التخطيط والتفكير الاستراتيجي ، أهمية الاستراتيجية ، الفرق بين التخطيط والتخطيط الاستراتيجي ، الإطار الزمني للاستراتيجية ، سمات التخطيط الاستراتيجي، المصالح القومية ، مفهوم الإدارة الاستراتيجية للدولة ، تنفيذ الاستراتيجية ، تحليل الأوضاع القومية التخطيط الاستراتيجي وإنتاج المعرفة ، السياسات واستراتيجية الدولة التغيير الاستراتيجي خارطة المسار الاستراتيجي ثم تناولت الورقة بعد  ذلك مفهوم التخطيط الاستراتيجي للبنى التحتية والعمران ومن ثم قدمت رؤية حول أداء ولاية الخرطوم في مجال التخطيط العمراني من منظور استراتيجي .

لم يتيسر لي استعراض استراتيجية الخرطوم في مجال التخطيط العمراني لعدم حصولي عليها واكتفيت بإبداء ملاحظات بناء على معلومات من عروض سابقة حول الاستراتيجية ومن بعض التقارير الرسمية.

تعريف الاستراتيجية:

يمكن تعريف الاستراتيجية بأنها : ( كل الأطروحات والوسائل والأفكار المتناسقة والمتكاملة التي من شأنها تحديد وتحقيق المصالح الوطنية وتحقيق ميزات وقدرات تنافسية من منظور عالمي للدولة ومؤسساتها، تمكنها من تحقيق غاياتها عبر أحسن استغلال للفرص والموارد، وتستجيب عبرها للمخاطر والتهديدات ونقاط الضعف في البيئة المحلية والدولية .

ويمكن تعريفها أيضاً بأنها : ( قدرة الدولة على تشكيل المستقبل وفق الإرادة الوطنية).

إن التدبر في هذا التعريف في ظل الأوضاع المحلية والخارجية بالغة التعقيد ، يشير إلى الارتباط الوثيق بين الاستراتيجية والفكر الاستراتيجي المساند لعملية التخطيط الاستراتيجي.

تعريف التخطيط الاستراتيجي :

( التخطيط الاستراتيجي : هو العملية التي يتم من خلالها وضع الاستراتيجية وتتضمن التحليل الاستراتيجي وتحديد المصالح الاستراتيجية واختيار التوجه الاستراتيجي وتحديد البدائل ، ويُعنى بإيجاد الترابط والتناسق بين الأهداف الاستراتيجية والمرحلية والأهداف قصيرة الأجل، وكذا الترابط والتناسق بين الأهداف والتشريعات والسياسات الاستراتيجية، وتحقيق التكامل بين كل منها بما يضمن أن كافة الجهود المتناثرة تصب تجاه تحقيق الغايات المحددة بأفضل السبل والتكاليف وذلك في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمهددات والمخاطر والتطورات العلمية محلياً وإقليمياً ودولياً ).

وتزيد الحاجة للاستراتيجية كلما زادت درجة التعقيد في البيئة التي نتعامل معهـا، وهذا يعني أهمية وجود فكر استراتيجي مساند التخطيـط الاستراتيجي، ويعتمد نجاح الاستراتيجية على مدى القدرة في قراء البيئة ودراستها وتحليلها ومن ثم التوصل لتحديد وصناعة الفرص وتحديد الإمكانات والوسائل بما يؤدي إلى بلورة الغايات والأهداف الاستراتيجية ومن ثم إعداد الخطط الاستراتيجية بناء على ذلك، وفي عصرنا هذا يمكن أن نضيف بُعداً جديداً وهو أن نجاح الاستراتيجية يعتمد على مدى ارتباط التخطيط بالبيئة الدولية والإقليمية ومدى قدرته علي تحديد أهداف استراتيجية علي هذا الأساس فهي لا تتقيد بالموقع الجغرافي للدولة وتراعي الظروف والإمكانات والمتغيرات المحلية.

مجالات التخطيط والتفكير الاستراتيجي :

يعمل التخطيط الاستراتيجي القومي في أربعة دوائر  ، ولا يحقق التخطيط أفضل نتائجه إذا لم يتعامل معها جميعاً بالكفاءة المطلوبة ، هي :

1.     دائرة النفس البشرية ، وفيها يتم التعامل مع نزعات النفس البشرية ورغباتها وتعقيداتها .

2.     دائرة الأوضاع السياسية ، الاقتصادية ، الاجتماعية الثقافية ، العلمية التقنية ، الإعلامية والمعلوماتية ، العسكرية الأمنية ، في البيئة المحلية .

3.     دائرة الأوضاع السياسية ، الاقتصادية ، الاجتماعية الثقافية ، العلمية التقنية ، الإعلامية والمعلوماتية ، العسكرية الأمنية ، في البيئة الخارجية.

4.     دائرة المستقبل ، حيث لا ينتهي عمل التخطيط الاستراتيجي في تحقيق أهداف تتعلق بالسكان الذين على قيد الحياة خلال فترة الاستراتيجية وإنما يكون مسئولاً كذلك بمراعاة مصالح الأجيال القادمة.

أهمية الاستراتيجية :

من أهم مزايا الاستراتيجية أنها تضع الدولة في موضع المبادرة بدلاً عن موطن الاستجابة عند التخطيط لتشكيل المستقبل، فهي بذلك تمكن من التأثير بفاعلية أكثـر نتيجة لعنصر المبادرة، عكس أسلوب ردود الأفعال الذي يتميز بمحدودية الأثر والاستجابة من البيئة، وبالتالي فإن الاستراتيجية وفق هذا المفهوم تصبح وسيلة أساسية لتحقيق السيطرة سواء على مصالح الدولة في البيئة أو على مصيرها، كما تتميز الاستراتيجية أيضاً بكونها تتيح فرصة أكبر للقيادة لفهم نشاط الدولة، وبالتالي التزامها.

الفرق بين التخطيط والتخطيط الاستراتيجي

لا بد من الإشارة هنا إلى اللبس الموجود لدى بعض أفراد ومؤسسات المجتمع تجاه فهم التخطيط الاستراتيجي، إذ أن واقع الحال يشير في كثير من الأحيان إلى الخلط بين التخطيـط (الطويل، المتوسط وقصير الأجل ) والتخطيط الاستراتيجي، حتى إذا نظرنا إلى كثير من الأطروحات المتداولة في هذا الخصوص في بعض الدول النامية نجدها في كثير من الأحيان تتحدث عن خطط وبرامج لا عن تخطيط وأهداف استراتيجية، ولعل ذلك قد انعكس في مستوى الأداء عموماً سواء على مستوى الدولة أو الشركات والمنظمات عموماً برغم المزايا العديدة المتوفرة لها من موارد طبيعية وموقع جغرافي وموارد بشرية وما إلى ذلك، وان عدم وجود أو وضوح الأطروحات الاستراتيجية والأهداف الاستراتيجية لدى معظم المؤسسات في الدول النامية، قد حول عمليات الاتصال والتفاوض والحوار والتنافس والوفاق تدور حول أجندة أخرى أقل أهمية.

ويمكن توضيح الفرق بين التخطيط بمفهومه العادي والتخطيط الاستراتيجي كما يلي:

1.     أن التخطيط بمفهومه العادي يعمل على التنبؤ بالمستقبل، وهي مهمة دائماً ما تعتمد على دراسة وتحليل بيانات ومعلومات الماضي والحاضر، أما التخطيط الاستراتيجي فهو لا يسعى للتنبؤ بالمستقبل وإنما يسعى إلى تشكيل المستقبل من خلال بلورة وتحقيق أهداف كبرى غالباً ما تتصف بالجراءة والمبادرة قد يسبق تحقيقها إجراء تغييرات أساسية وجوهرية في البيئة.

2.     . التخطيط بمفهومه العادي غالباً ما يجاري الواقع، مثال لذلك أن مستثمراً لو أراد إنشاء مصنعاً لسلعة ( ما ) ، فإنه وفق مفهوم التخطيط العادي فسيقوم بتحليل بيانات الماضي والحاضر ولنقل أنه اكتشف أن بيانات الماضي والحاضر تشير إلى أن استهلاك المواطنين من هذه السلعة ظل يتناقص بمعدل معين سنوياً، فهو وفق تلك البيانات يستطيع أن يتنبأ بمعدلات الاستهلاك في السنوات القادمة، وبالتالي سيرى إن كان هذا الوضع مجدٍ اقتصادياً له فسيقوم بإنشاء المصنع، والعكس فانه سيلغي الفكرة. حيث  نلاحظ هنا أن التخطيط  قام بمجارات الواقع.

أما في حالة التخطيط الاستراتيجي فالعكس تماماً هو الذي يحدث، حيث يقوم التخطيط الاستراتيجي ببلورة عدد من الأهداف الطويلة أو المتوسطة التي يهدف من خلالها إلى إحداث التغييرات المطلوبة لقيام المشروع المعين أو تحقيق الهدف الاستراتيجي المطلوب، وهذا يعني أن التخطيط الاستراتيجي يسعى إلى تحقيق أهداف قد تتطلب إحداث تغيرات أساسية في البيئة، وهذا ما يدعو إلى تميز التخطيط الاستراتيجي بعنصر المبادرة، ومـن الأمثلة على ذلك، الهدف الاستراتيجي الأمريكي في فترة الخمسينيات الذي يقضي بتصدير القمح إلى بعض دول العالم التي لا يدخل القمـح ضمن أنماطها الاستهلاكية، مثل معظم دول إفريقيا التي تستهلك الذرة والبفرة الخ، ولكن الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة استطاعت وعبر العديد من الخطط الطويلة، إحداث تغييرات استراتيجية في الأنماط الاستهلاكية لدى شعوب تلك المناطق المستهدفة، ومن ثم تمكنت من بناء أسواق استراتيجية تستهلك القمح الأمريكي، إذن فالتخطيط الاستراتيجي لم يستسلم للواقع كما هو حال التخطيط العادي، وإنما سعى إلى تغيير الواقع بما يلائم أهدافه الاستراتيجية.

ويتضح الأمر أكثر إذا طبقنا مفهوم التخطيط العادي، حيث سنجد أن بيانات الماضي في ذلك الزمان عند إعداد الخطة الأمريكية تشير إلى استهلاك الشعوب المستهدفة للذرة والشعير والأرز، ونفس الشيء بيانات الحاضر عند إعداد الخطة، وبالتالي وفق مفهوم التخطيط العادي فإن ما يجري في الماضي والحاضر سيجري في المستقبل وهو استمرار استهلاك الأرز والذرة والشعير، أي لا مجال للقمح، إذن سنكتشف أن هذا المفهوم لا يجدي مع التطلعات الأمريكية بتصدير القمح، فكان الحل في مفهوم التخطيط الاستراتيجي الذي يعبر في هذا المثال عن أهم سمات التخطيط الاستراتيجي وهو تغيير الواقع بما يوفر الأوضاع الملائمة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية.

3.     أن التخطيط العادي غالباً ما يسعى إلى بلورة أهداف محدودة لا تحتاج إلى فترة زمنية طويلة لتحقيقها، عكس التخطيط الاستراتيجي الذي يسعى إلى تحقيق أهداف كبرى طموحة لا يمكن تحقيقها في فترة زمنية قصيرة.

4.     التخطيط الاستراتيجي يشمل مصالح الأجيال الحالية والقادمة ويتضمن الاهتمام بالبيئة وتنمية وتنويع وحسن استغلال الموارد ، أما التخطيط فقد يسعى لتحقيق مصالح ، وكثيراً ما يتم استخدام وسائل لتحقيقها لا يراعى فيها تعقيدات المستقبل ، وسرعان يتم تحقيق هذه المصالح لكن مع تدمير الموارد وإتلاف الغابات وتدمير البيئة ، وهذا ما يعاني منه العالم اليوم ، وسيكون من غير المنطقي أن نصف الأداء للعديد من دول العالم خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية بالاستراتيجي ونحن نتعرف يومياً على الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها العديد من استراتيجيات تلك الدول والتي أفرزت واقعاً يشير إلى دمار واستنزاف كبير للموارد الأساسية ، تدمير للبيئة تهديد لأمن الإنسان  ..إلخ وهو ما بات يهدد البشرية برمتها وستعاني الأجيال القادمة منه بشكل اكبر ، إننا سنكون غير دقيقين إذا وصفنا النشاطات والخطط التي أفرزت هذا الواقع بالاستراتيجية، هذا الواقع يشير إلى ضرورة تطوير مفاهيم جديدة للاستراتيجية تعبر عن مثل هذا الوضع وغيره .

ولعل هذه النقطة تشير إلى أحد أسباب تفوق الدول المتقدمة، حيث إن إتباع أساليب التخطيط الاستراتيجي تجعلهم يضعون أهدافاً طموحة، جريئة، كبيرة لا يمكن تحقيقها في سنوات قليلة، إلا أن وضوح تلك الأهداف يجعلهم يسيرون تجاهها، هذا الوضع يطلق عليه تحديد المسار الاستراتيجي الذي يتم من خلاله ضمان أن الأنشطة والأهداف والسياسات والتشريعات.. الخ كلها تتم في تناسق وترابط وتكامل عبر السنوات الطويلة تجاه الهدف الاستراتيجي المحدد.

ولذلك دائماً ما نجد أن الدول والمنظمات في العديد من الدول النامية تنظر إلى الأهداف الاستراتيجية الطموحة الجريئة باستخفاف أو على الأقل تصفها بالأحلام، ويعود ذلك إلى أن تلك المنظمات والإدارات تنظر إلى تلك الأهداف الاستراتيجية من خلال قدرات وإمكانات التخطيط القصير وهي إمكانات غالباً ما تكون محدودة. أنهم لا يدركون أن المنظمة أو الدولة تسعى لتحقيق ذلك الهدف بعد سنوات طويلة، لذلك فإن تحقيق التنمية الطموحة في الدول يتطلب فترة زمنية طويلة ووضوح في الأهداف الاستراتيجية ووضوح للمسار الاستراتيجي، لذلك فشلت العديد من الدول النامية في تحقيق تنمية طموحة لعدم وجود أهداف طموحة وبالتالي عدم وجود مسار استراتيجي، وهذا يعزز الفرق الكبير بين التخطيط بمفهومه العادي والتخطيط الاستراتيجي.

5.     غالباً ما يرتبط التخطيط العادي بالبيئة المحلية بينما نجد التخطيط الاستراتيجي يمتد ليشمل البيئة الدولية، لعل مثالاً لذلك هو معظم الدول النامية ومعظم شركاتها، حيث نجدها تسعى إلى تحقيق أهداف محلية، يعزز ذلك شعارات الاكتفاء الذاتي وتقليل الواردات خفضاً للصرف من العملات الأجنبية الخ، وكذا الشركات في تلك الدول حيث نجد أن المصانع غالباً ما تقوم لسد حاجة محلية، انظر إلى معظم الشركات بالدول النامية خلال خمسين عاماً، من الصعوبة أن تجد شركة برزت لتحقيق أهداف في السوق العالمي، على العكس تماماً نجد أن دول أخرى كاليابان والصين وكوريا والدول الأوربية، ينطلق تخطيطها من منظور عالمي لتحقيق أهداف في أسواق عالمية، لذلك نجد السمة العامة لشركات تلك الدول هي أنها تنشأ وتقوم لا لسد حاجة محلية وإنما تسعى إلى تحقيق أهداف في السوق العالمي، إذن إتباعهم للتخطيط من منظور عالمي مفتوح جاء نتيجة للتخطيط الاستراتيجي بينما نجد تخطيط معظم الدول النامية يأتي من منظور محلي ضيق نتيجة لإتباع أسس التخطيط العادي، وهذا يجسد أحد الفروق بين التخطيط العادي والاستراتيجي.

الإطار الزمني للاستراتيجية

طبيعة التحدي والطموح المطلوب إنجازه يعني مواجهة تعقيدات البيئة، بالتالي تتم الحاجة لتحقيق أهداف استراتيجية كبيرة تحتاج لزمن طويل ، وكذا تكون الحاجة لإجراء تغييرات استراتيجية لتهيئة الظروف والأوضاع المطلوبة لتحقيق الغايات والأهداف الاستراتيجية المنشودة، وهذا يتطلب أيضاً فترة زمنية طويلة ، وكلما زاد الطموح كلما زادت التعقيدات المطلوب مواجهتها وبالتالي يزيد عمر الاستراتيجية..

سمات التخطيط الاستراتيجي :

إذا اعتبرنا أن المبادرة والتخطيط من منظور عالمي هي من أهم سمات التخطيط الاستراتيجي، فإن هناك سمات أخرى منها :

1. عمق التخطيط: إن العمق الاستراتيجي والجرأة هي من أهم سمات التخطيط الاستراتيجي

2. السعي لتحقيق أهداف كبرى تتسم بالجرأة والتحدي، وإحداث تغييرات استراتيجية وأساسية، وهذا يتطلب تنفيذ العديد من الخطط الطويلة والقصيرة والبرامج والتكتيكات التعاونية، حيث يوفر التخطيط الاستراتيجي الإطار الفلسفي الذي يتم بموجبه تحقيق التكامل والتناسق والترابط بين الأهداف والسياسات (الطويلة والمتوسطة والقصيرة والمتناهية الصغر) بما يضمن أن كافة الأهداف والأنشطة المتناثرة هنا وهناك تصب جميعها نحو تحقيق الأهداف الاستراتيجية.

المصالح القومية :

هي الحاجات والأوضاع والطموحات المتوافق عليها وطنياً التي ترغب الدولة في تحقيقها والمحافظة عليها ،  وتتضمن الجوانب الحيوية المعنوية والمادية ، كالمحافظة على العقيدة والثقافة القومية وهيبة الدولة وبقاءها وسيادتها وأمنها ، والمحافظة على أمن المواطن والمجتمع وتحقيق الرفاه والنماء السياسي والاقتصادي والاجتماعي وتتضمن المبادئ والقيم الدينية والمرتكزات الاستراتيجية . كما تشمل الأوضاع والظروف والقدرات الداخلية والخارجية المواتية أو المطلوبة لتحقيق وإدراك هذه المصالح  . وتمثل التوجه الرئيسي للدولة والعامل الأكثر أهمية في توجيه السياسة والاستراتيجيات وتحديد السبل والوسائل على المستوى الداخلي والخارجي .

إن وضوح المصالح الاستراتيجية والتوافق الوطني عليها يعد أهم مرتكز لتحقيق النجاح للدولة ولعل من أهم الملاحظات في هذا الجانب انه وبعد مرور 56 عاماً من الاستقلال لا زال السودان دون مصالح وطنية مجمع عليها ، وإذا ربطنا ذلك بغياب الفكر الاستراتيجي الوطني في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ،  وعدم وجود منهج وطني للتخطيط الاستراتيجي نستطيع أن نتبين حقيقة عدم قدرة السودان على الانطلاق ليصبح دولة متقدمة رغم ما يتوفر له من موارد ومزايا .

إن أهم مقومات النجاح في الدولة هو قدرتها على بلورة وتحديد مصالحها الوطنية الاستراتيجية، ومن ثم تهيئة الأوضاع والظروف المناسبة لتحقيقها وتأمينها، وهي بهذا تشكل المرتكز الأساسي الذي تدور حوله عمليات إدارة مصالحها في البيئة الدولية، كما أن عدم وضوح المصالح الاستراتيجية الوطنية يقود لبلورة خطط فرعية تفتقر للرؤية المناسبة.

الرؤية الاستراتيجية الوطنية :

شكلت عمليات بناء الجبهة الوطنية عقبة أمام المخططين في أواسط القرن العشرين، حيث يرى خبراء التخطيط أن تحقيق المصالح الوطنية الكبرى يحتاج إلى فترة زمنية طويلة يتم خلالها السير بانتظام تجاه تحقيق أهداف محددة بتراكمات محددة تنتهي بعد عقود من الزمان بتحقيق تلك الغايات والأهداف الاستراتيجية .

إن طول الفترة الزمنية لتحقيق تلك الغايات والأهداف الاستراتيجية يعني تعاقب عدد من الحكومات المختلفة، ليكمن المهدد الحقيقي في أن عدم الاتفاق الوطني على تلك الغايات والأهداف يمنع أو يؤخر تحقيقها، في الوقت الذي تتباين فيه رؤى المؤسسات السياسية الوطنية بتلك الدول.

وما بين هذا وذاك، وفي ظل التحدي الوطني والطموحات الوطنية بتحقيق نهضة أو تنمية طموحة جريئة لبلادهم، فقد برز ما يمكن أن نطلق عليه الرؤية الوطنية الاستراتيجية التي تجسد الإطار الذي لا يجوز الخلاف حوله.

إن المصالح الوطنية الاستراتيجية تعبر عن هذا، وهو ما تحتاج إليه الدول النامية، ليدور الخلاف السياسي بين الأحزاب دون الإضرار بتلك المصالح، كالخلاف في الوسائل المرحلية والتعامل مع المتغيرات الراهنة ..  إلخ ،  وهذا هو الأسلوب الأفضل للسيطرة على الخلافات السياسية .

إن هذا المفهوم قاد إلى إطلاق مفهوم خطة الدولة ليعبر عن الاستراتيجية القومية ، لتشكل الخطط الحكومية مراحل تجاه تلك الاستراتيجية .

1    2    3    4


أعلى ألصفحة

ألسيرة الذاتية

الاسم محمد حسين سليمان أبوصالح الميلاد 1960م الحالة الاجتماعية متزوج { خمسة من البنين والبنات } المؤهلات الأكاديمية : ألمزيد

دورات تدريبية

يعمل د. محمد حسين ابو صالح على تدريب الكوادر للعمل في مجالات التخطيط ألمزيد

محاضرات


إتصل بنا