المفهوم العام للاستراتيجية

المتدبر في المفاهيم والتعريفات التي أوردتها معظم كتب الإدارة الاستراتيجية يمكنه ملاحظة أن معظم تلك المفاهيم والتعريفات تمت صياغتها لتناسب منظمات الأعمال، أي أنها تنطلق من الإدارة الاستراتيجية للمنظمات، إلا أن معظمها لم يلتفت إلى الاستراتيجية في حالة التخطيط الاستراتيجي للدول وما قد يشمله ذلك من مفاهيم متخصصة مثل مفهوم التخطيط الاستراتيجي السياسي أو الاقتصادي أو مفهوم التخطيط الاستراتيجي للإعلام أو التعليم.

على الرغم من أن الإطار العام مشترك في كافة المجالات، إلا أن التخصص الدقيق في علم الاستراتيجية يفرض بلورة مفاهيم أو تعريفات متخصصة، وهو ما يسعى إليه هذا الكتاب من خلال دراسة الاستراتيجيات المتخصصة في مجالات العلوم الاجتماعية كالإعلام والتعليم والمجال الاقتصادي والسياسي والأمني.

يرى الكاتب أن ظاهرة العولمة وبروز ما يسمى بالنظام العالمي الجديد له انعكاسات أيضاً على مفهوم الاستراتيجية، باعتبار أن العالم في القرن الماضي كانت تسوده القوانين القطرية التي تحكم وتحمي الاقتصاد والثقافة والفكر الوطني، ومن خلال هذا الوضع وردت العديد من التعريفات للاستراتيجية التي تراعي هذا الوضع، عليه باستصحاب هذا التطور الجديد فإنه يمكن تعريف الاستراتيجية بأنها : ( كل الأطروحات والوسائل والأفكار المتناسقة والمتكاملة التي من شأنها تحديد وتحقيق المصالح الوطنية وتحقيق ميزات وقدرات تنافسية من منظور عالمي للدولة ومؤسساتها، تمكنها من تحقيق غاياتها عبر أحسن استغلال للفرص والموارد، وتستجيب عبرها للمخاطر والتهديدات ونقاط الضعف في البيئة المحلية والدولية، ويتم عبرها تحديد الرؤية والرسالة والغايات والأهداف الاستراتيجية للدولة .

ويمكن تعريفها أيضاً بأنها : قدرة الدولة على امتلاك القوة الاستراتيجية الشاملة وتهيئة الأوضاع المطلوبة لتحقيق وتأمين المصالح الاستراتيجية الوطنية.)

ويمكن تعريفها أيضاً بأنها : ( قدرة الدولة على تشكيل المستقبل وفق الإرادة الوطنية).

ويمكن الجمع بين التعريفين ليصبح : ( قدرة الدولة على امتلاك القوة الاستراتيجية الشاملة التي تتيح لها تشكيل المستقبل وفق الإرادة الوطنية ، وتهيئة الأوضاع المطلوبة لتحقيق ذلك ).

 

 

الاستراتيجية والقوة :

يلاحظ من التعريفات السابقة اهتمام الاستراتيجية بالسعي نحو القوة ، فالعالم يعيش حالة من الصراع الاستراتيجي ، وهو صراع لا يمكن إدارته والدخول فيه دون قوة تناسب ذلك ، وهي القوة المعروفة بالقوة الشاملة أو القوة الاستراتيجية الشاملة ، كما أن قدرة الدولة على تصميم وإدارة النظام العالمي بمفردها أو بمشاركة آخرين تتطلب امتلاك هذه القوة .

لذا يصبح من الخطر على الدولة إغفال السعي نحو القوة الاستراتيجية الشاملة ، خاصة وأن الضعف الداخلي للدولة في ظل الصراع الاستراتيجي الذي يجعل أصحاب القوة يمنعون غيرهم من امتلاكها الشئ الذي يقودهم لإغراق وشغل الآخرين عن السعي نحو القوة من خلال أساليب عديدة أهمها الإدارة من خلال الأزمات التي تجعل الدولة لا تفرغ من إخماد أزمة حتى تنفتح لها أزمة أخرى وهكذا تضيع العقود من الزمان دون الوصول للقوة .

هذا الحديث يعني أهمية تحديد الدولة لمفهوم القوة الاستراتيجية ، وهذا يعني أهمية الاهتمام بالبناء الفكري الذي يقود لذلك . وفي ظل التحديات العالمية الراهنة لا يمكن قبول مفهوم للقوة لا يعبر عن القضايا الاستراتيجية المتمثل أهمها في القومي ، الأمن الإنساني والحفاظ على البيئة وتوفير طاقة آمنة ورخيصة والاستغلال الأمثل للموارد .. بجانب الجوانب المتعلقة بتحقيق القدرات التنافسية بالمنظور العالمي .. إلخ .

تعريف التخطيط الاستراتيجي :

( التخطيط الاستراتيجي : هو العملية التي يتم من خلالها وضع الاستراتيجية وتتضمن التحليل الاستراتيجي واختيار التوجه الاستراتيجي وتحديد الغايات والأهداف الاستراتيجية ، وتحديد البدائل ، ويُعنى بإيجاد الترابط والتناسق بين الأهداف الاستراتيجية والمرحلية والأهداف قصيرة الأجل، وكذا الترابط والتناسق بين الأهداف والتشريعات والسياسات الاستراتيجية، وتحقيق التكامل بين كل منها بما يضمن أن كافة الجهود المتناثرة تصب تجاه تحقيق الغايات المحددة بأفضل السبل والتكاليف وذلك في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والمهددات والمخاطر والتطورات العلمية محلياً وإقليمياً ودولياً ).

 

 

 

 

 

الفرق بين التخطيط والتخطيط الاستراتيجي

ونحن نتحدث عن التخطيط الاستراتيجي في الدول النامية بجوانبه المختلفة لا بد لنا أن نشير إلى بعض اللبس الموجود لدى بعض أفراد ومؤسسات المجتمع تجاه فهم التخطيط الاستراتيجي، إذ أن واقع الحال يشير في كثير من الأحيان إلى الخلط بين التخطيـط (الطويل، المتوسط والقصير الأجل) والتخطيط الاستراتيجي، حتى إذا نظرنا إلى كثير من الأطروحات المتداولة في هذا الخصوص في بعض الدول النامية نجدها في كثير من الأحيان تتحدث عن خطط وبرامج لا عن تخطيط وأهداف استراتيجية، ولعل ذلك قد انعكس في مستوى الأداء عموماً سواء على مستوى الدولة أو الشركات والمنظمات عموماً برغم المزايا العديدة المتوفرة لها من موارد طبيعية وموقع جغرافي وموارد بشرية وما إلى ذلك، وان عدم وجود أو وضوح الأطروحات الاستراتيجية والأهداف الاستراتيجية لدى معظم المؤسسات في الدول النامية، قد حول عمليات الاتصال والتفاوض والحوار والتنافس والوفاق تدور حول أجندة أخرى أقل أهمية.

ويمكن توضيح الفرق بين التخطيط بمفهومه العادي والتخطيط الاستراتيجي كما يلي:

1.     أن التخطيط بمفهومه العادي يعمل على التنبؤ بالمستقبل، وهي مهمة دائماً ما تعتمد على دراسة وتحليل بيانات ومعلومات الماضي والحاضر، أما التخطيط الاستراتيجي فهو لا يسعى للتنبؤ بالمستقبل وإنما يسعى إلى تشكيل المستقبل من خلال بلورة وتحقيق أهداف كبرى غالباً ما تتصف بالجراءة والمبادرة قد يسبق تحقيقها إجراء تغييرات أساسية وجوهرية في البيئة.

2.     . التخطيط بمفهومه العادي غالباً ما يجاري الواقع، مثال لذلك أن مستثمراً لو أراد إنشاء مصنعاً آلياً للكسرة [1]، فإنه وفق مفهوم التخطيط العادي فسيقوم بتحليل بيانات الماضي والحاضر ولنقل أنه اكتشف أن بيانات الماضي والحاضر تشير إلى أن استهلاك المواطنين من الكسرة ظل يتناقص بمعدل 2% سنوياً، وهو وفق تلك البيانات يستطيع أن يتنبأ بمعدلات الاستهلاك في السنوات القادمة، وبالتالي سيرى إن كان هذا الوضع مجدٍ اقتصادياً له فسيقوم بإنشاء المصنع، والعكس فانه سيلغي الفكرة. لعلكم تلاحظون انه لم يغير شيئاً في الواقع بل قام بمجاراته.

أما في حالة التخطيط الاستراتيجي فالعكس تماماً هو الذي يحدث، حيث يقوم التخطيط الاستراتيجي ببلورة عدد من الأهداف الطويلة أو المتوسطة التي يهدف من خلالها إلى إحداث التغييرات المطلوبة لقيام المشروع المعين أو تحقيق الهدف الاستراتيجي المطلوب، وهذا يعني أن التخطيط الاستراتيجي يسعى إلى تحقيق أهداف قد تتطلب إحداث تغيرات أساسية في البيئة، وهذا ما يدعو إلى تميز التخطيط الاستراتيجي بعنصر المبادرة، ومـن الأمثلة على ذلك، الهدف الاستراتيجي الأمريكي في فترة الخمسينيات الذي يقضي بتصدير القمح إلى بعض دول العالم التي لا يدخل القمـح ضمن أنماطها الاستهلاكية، مثل معظم دول إفريقيا التي تستهلك الذرة والبفرة الخ، ولكن الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة استطاعت وعبر العديد من الخطط الطويلة، إحداث تغييرات استراتيجية في الأنماط الاستهلاكية لدى شعوب تلك المناطق المستهدفة، ومن ثم تمكنت من بناء أسواق استراتيجية تستهلك القمح الأمريكي، إذن فالتخطيط الاستراتيجي لم يستسلم للواقع كما هو حال التخطيط العادي، وإنما سعى إلى تغيير الواقع بما يلائم أهدافه الاستراتيجية.

ويتضح الأمر أكثر إذا طبقنا مفهوم التخطيط العادي، حيث سنجد أن بيانات الماضي في ذلك الزمان عند إعداد الخطة الأمريكية تشير إلى استهلاك الشعوب المستهدفة للذرة والشعير والأرز، ونفس الشيء بيانات الحاضر عند إعداد الخطة، وبالتالي وفق مفهوم التخطيط العادي فإن ما يجري في الماضي والحاضر سيجري في المستقبل وهو استمرار استهلاك الأرز والذرة والشعير، أي لا مجال للقمح، إذن سنكتشف أن هذا المفهوم لا يجدي مع التطلعات الأمريكية بتصدير القمح، فكان الحل في مفهوم التخطيط الاستراتيجي الذي يعبر في هذا المثال عن أهم سمات التخطيط الاستراتيجي وهو تغيير الواقع بما يوفر الأوضاع الملائمة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية.

3.     أن التخطيط العادي غالباً ما يسعى إلى بلورة أهداف محدودة لا تحتاج إلى فترة زمنية طويلة لتحقيقها، عكس التخطيط الاستراتيجي الذي يسعى إلى تحقيق أهداف كبرى طموحة لا يمكن تحقيقها في فترة زمنية قصيرة.

ولعل هذه النقطة تشير إلى أحد أسباب تفوق الدول المتقدمة، حيث إن إتباع أساليب التخطيط الاستراتيجي تجعلهم يضعون أهدافاً طموحة، جريئة، كبيرة لا يمكن تحقيقها في سنوات قليلة، إلا أن وضوح تلك الأهداف يجعلهم يسيرون تجاهها، هذا الوضع يطلق عليه تحديد المسار الاستراتيجي الذي يتم من خلاله ضمان أن الأنشطة والأهداف والسياسات والتشريعات.. الخ كلها تتم في تناسق وترابط وتكامل عبر السنوات الطويلة تجاه الهدف الاستراتيجي المحدد.

ولذلك دائماً ما نجد أن الدول والمنظمات في العديد من الدول النامية تنظر إلى الأهداف الاستراتيجية الطموحة الجريئة باستخفاف أو على الأقل تصفها بالأحلام، ويعود ذلك إلى أن تلك المنظمات والإدارات تنظر إلى تلك الأهداف الاستراتيجية من خلال قدرات وإمكانات التخطيط القصير وهي إمكانات غالباً ما تكون محدودة. أنهم لا يدركون أن المنظمة أو الدولة تسعى لتحقيق ذلك الهدف بعد سنوات طويلة، لذلك فإن تحقيق التنمية الطموحة في الدول يتطلب فترة زمنية طويلة ووضوح في الأهداف الاستراتيجية ووضوح للمسار الاستراتيجي، لذلك فشلت العديد من الدول النامية في تحقيق تنمية طموحة لعدم وجود أهداف طموحة وبالتالي عدم وجود مسار استراتيجي، وهذا يعزز الفرق الكبير بين التخطيط بمفهومه العادي والتخطيط الاستراتيجي.

وكثيراً ما يقوم بعض المخططين بوضع خطة يطلقون عليها الخطة الاستراتيجية، ويقومون بتحديد أهداف يسعون إلى تحقيقها من خلال الخطة، ولكن الملاحظ أن الأهداف غالباً ما تكون عادية لا تحتاج إلى فترة زمنية طويلة، ويعد هذا من الأخطاء الشائعة، فإذا قمنا بوضع خطة لعشرين عاماً، فإن هذا يعني أن تحقيق الأهداف الاستراتيجية سيتعذر في نطاق زمني أقل من هذه الفترة، وبالتالي يتم تحقيق العديد من الأهداف الصغيرة خلال العشرين عاماً حتى يكتمل تحقيق الأهداف الاستراتيجية بعد عشرين عاماً. عليه إذا قمنا بمراجعة الأهداف ووجدنا أنها يمكن أن تتحقق في خمس سنوات، فإن هذا يعنى عدم قدرتنا على بلورة أهداف استراتيجية حقيقية.

4.     التخطيط الاستراتيجي يشمل مصالح الأجيال الحالية والقادمة ويتضمن الاهتمام بالبيئة وتنمية وتنويع وحسن استغلال الموارد ، أما التخطيط فقد يسعى لتحقيق مصالح ، وكثيراً ما يتم استخدام وسائل لتحقيقها لا يراعى فيها تعقيدات المستقبل ، وسرعان يتم تحقيق هذه المصالح لكن مع تدمير الموارد وإتلاف الغابات وتدمير البيئة ، وهذا ما يعاني منه العالم اليوم ، وسيكون من غير المنطقي أن نصف الأداء للعديد من دول العالم خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية بالاستراتيجي ونحن نتعرف يومياً على الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها العديد من استراتيجيات تلك الدول والتي أفرزت واقعاً يشير إلى دمار واستنزاف كبير للموارد الأساسية ، تدمير للبيئة تهديد لأمن الإنسان وتهديد لأمن المستقبل ..إلخ وهو ما بات يهدد البشرية برمتها وستعاني الأجيال القادمة منه بشكل اكبر ، إننا سنكون غير دقيقين إذا وصفنا النشاطات والخطط التي أفرزت هذا الواقع بالاستراتيجية ، هذا الواقع يشير إلى ضرورة تطوير مفاهيم جديدة للاستراتيجية تعبر عن مثل هذا الوضع وغيره.

5.     غالباً ما يرتبط التخطيط العادي بالبيئة المحلية بينما نجد التخطيط الاستراتيجي يمتد ليشمل البيئة الدولية، لعل مثالاً لذلك هو معظم الدول النامية ومعظم شركاتها، حيث نجدها تسعى إلى تحقيق أهداف محلية، يعزز ذلك شعارات الاكتفاء الذاتي وتقليل الواردات خفضاً للصرف من العملات الأجنبية الخ، وكذا الشركات في تلك الدول حيث نجد أن المصانع غالباً ما تقوم لسد حاجة محلية، انظر إلى معظم الشركات بالدول النامية خلال خمسين عاماً، من الصعوبة أن تجد شركة برزت لتحقيق أهداف في السوق العالمي، على العكس تماماً نجد أن دول أخرى كاليابان والصين وكوريا والدول الأوربية، ينطلق تخطيطها من منظور عالمي لتحقيق أهداف في أسواق عالمية، لذلك نجد السمة العامة لشركات تلك الدول هي أنها تنشأ وتقوم لا لسد حاجة محلية وإنما تسعى إلى تحقيق أهداف في السوق العالمي، إذن إتباعهم للتخطيط من منظور عالمي مفتوح جاء نتيجة للتخطيط الاستراتيجي بينما نجد تخطيط معظم الدول النامية يأتي من منظور محلي ضيق نتيجة لإتباع أسس التخطيط العادي، وهذا يجسد أحد الفروق بين التخطيط العادي والاستراتيجي.

الإطار الزمني للاستراتيجية

طبيعة التحدي والطموح المطلوب إنجازه يعني مواجهة تعقيدات البيئة، بالتالي تتم الحاجة لتحقيق أهداف استراتيجية كبيرة تحتاج لزمن طويل ، وكذا تكون الحاجة لإجراء تغييرات استراتيجية لتهيئة الظروف والأوضاع المطلوبة لتحقيق الغايات والأهداف الاستراتيجية المنشودة، وهذا يتطلب أيضاً فترة زمنية طويلة ، وكلما زاد الطموح كلما زادت التعقيدات المطلوب مواجهتها وبالتالي يزيد عمر الاستراتيجية. لاحظ الشكل التالي.

إننا إذا طلبنا من أي مجموعة أن تحلم بمستقبل ( ما ) للدولة ، وقمنا بمنحهم ثلاثة أو أربعة سنوات مثلاً ، فان هذا المجموعة قطعاً لن تستطيع أن تحلم وذلك بسبب بسيط وهو أن الفترة المتاحة للخطة لا تكفي لموجهة تعقيدات الخطة مثل تأسيس البنى التحتية أو توفير الموارد البشرية أو تشكيل سلوك وطني جديد ، والعكس عند تحديد فترة زمنية طويلة فإن هذا يعني إمكانية تشكيل رؤية عميقة يمكن عبرها تحقيق حلم وطني حقيقي ، وهذا ما يدعو للتفريق بين مفهوم الاستراتيجية في مستوى الدولة ومستوى المنظمات والشركات ، حيث يمكن في حالة المنظمات إنجاز طموحات كبيرة في فترة قصيرة والعكس صحيح في حالة الدول .

 

سمات التخطيط الاستراتيجي :

إذا اعتبرنا أن المبادرة والتخطيط من منظور عالمي هي من أهم سمات التخطيط الاستراتيجي، فإن هناك سمات أخرى منها :

1. عمق التخطيط: إن العمق الاستراتيجي والجرأة هي من أهم سمات التخطيط الاستراتيجي، وقد لازمت هذه الصفة معظم المخططات الاستراتيجية لأصحاب المصالح الدولية.

من الحقائق المعروفة لكل منا أن الاستعمار في الحقب الماضية كان يسعى لتحقيق أهدافه المختلفة وعلى رأسها الأهداف المادية بالسيطرة والحصول على الموارد الاقتصادية المختلفة، لذا فقد كان توفر مقومات معينة مثل وفرة موارد طبيعية كالذهب أو النفط أو الأرض الزراعية، أو وفرة الرجال الأقوياء لاستخدامهم في الزراعة أو الجيش.. الخ تقف على رأس حيثيات اتخاذ القرار باستعمار تلك الدولة أو غيرها، إلا أن بعض الدراسات التي جرت مؤخراً أشارت إلى أن هناك منطقة لم تتوفر فيها تلك الحيثيات ومع ذلك جرى استعمارها، وهي فلسطين. وفي سبيل البحث عن السر وراء ذلك، توصل بعض العلماء إلى أن بريطانيا في إطار تخطيطها الاستراتيجي لمستقبل مصالحها في الشرق الأوسط، وفي ظل إدراكها لعدم إمكانية استمرار الاستعمار المباشر نتيجة لتنامي وعي الشعوب، رأت أن السيطرة على تلك المنطقة تتطلب إنشاء كيان (دولة) تتبع لها، يتم من خلالها التحكم في منطقة الشرق الأوسط.

هذا الوضع قاد بريطانيا للتحالف مع اليهود الذين كانوا في ذات الوقت يخططون بسويسرا لإقامة دولة لهم في منطقة فلسطين، ويكفينا هذا المثل لنعلم مدى عمق التخطيط الاستراتيجي لأصحاب المصالح الدولية الذين لم يتوانوا في تأسيس دولة وإخراجها إلى الوجود طالما أن ذلك مهم لتحقيق مصالحهم، وهو مثال يجعلنا ندرك عمق التخطيط الأجنبي الذي يسعى لتقسيم دول ما أو تفتيتها كما هو الحال في إفريقيا.

2. السعي لتحقيق أهداف كبرى تتسم بالجرأة والتحدي، وإحداث تغييرات استراتيجية وأساسية، وهذا يتطلب تنفيذ العديد من الخطط الطويلة والقصيرة والبرامج والتكتيكات التعاونية، حيث يوفر التخطيط الاستراتيجي الإطار الفلسفي الذي يتم بموجبه تحقيق التكامل والتناسق والترابط بين الأهداف والسياسات (الطويلة والمتوسطة والقصيرة والمتناهية الصغر) بما يضمن أن

2. كافة الأهداف والأنشطة المتناثرة هنا وهناك تصب جميعها نحو تحقيق الأهداف الاستراتيجية. في ظل هذا الوضع يحدث الفهم الخاطئ حيث يتوه الغالبية مع الأهداف المتوسطة والقصيرة والتكتيكات التعاونية، دون إدراك كافٍ للمخططات الاستراتيجية. هذا الوضع مقروناً بجرأة المخططات الاستراتيجية، تجعل من قبول الأهداف الاستراتيجية والإيمان بوجودها أمراً صعب التصديق ومن أمثلة ذلك، المخطط الاستراتيجي الأمريكي لإعادة تشكيل القارة الإفريقية، والسيطرة على الموارد العالمية، فبدلاً من إدراك الهدف الأساسي لكل ما يجري في الساحة السياسية وفق هذا المنظور، فإن الساحة أو جانب كبير منها في العالم، تنشغل بالبرامج والأمور التكتيكية المصاحبة لتلك الخطط، مثل اتهامات حقوق الإنسان والإبادة الجماعية والتطهير العرقي، الخ.

 

-         فالاستراتيجية هي وسيلة تحدد كيفية تحقيق الأهداف الاستراتيجية ويمكن وصفها بأنها خطة يتطلب تحقيقها تنفيذ العديد من الخطط الطويلة والمتوسطة والقصيرة الأجل والبرامج والسياسات وتحقيق العديد من الأهداف الطويلة والمتوسطة والصغيرة والمتناهية في الصغر إلا أن تحقيق ذلك جميعاً يصب في تناسق وتكامل وانسجام لصالح تحقيق الغايات القومية الكبير للدولة.

o       كما أن الاستراتيجية هي التي تبلور الأطر والفلسفة التي تحكم قرارات الدولة والخطط المنبثقة عنها ومن بينها الخطط الطويلة.

والاستراتيجية تعمل على قراءة المستقبل والتعامل مع البيئة بصور أكثر عمقاً.

 

 

شكل رقم 2 : 1: الإطار الزمني للاستراتيجية

 

عمر الاستراتيجية

 

الأوضاع الراهنة

الضعف

 

 

 

 

 

الاستراتيجية والحلم الوطني :

تعبر الاستراتيجية الوطنية عن الحلم الوطني ، إلا أن هناك شروطاً أساسية يجب تحقيقها حتى تعبر الاستراتيجية عن الحلم الوطني ، أهمها :

1.     أن تعبر الاستراتيجية عن وجدان الشعب وطموحاته وتطلعاته ، وهذا يستدعي إعداد الاستراتيجية بما يحقق ذلك ، ولعل التدبر في خطوات إعداد الاستراتيجية التي اوردناها في الفصل الثالث من الباب الأول يشير لهذا ، حيث ان وضع الاستراتيجية يقوم على المعرفة الاستراتيجية والتي تقوم على عمل تحليل استراتيجي شامل يتضمن ضمن مجالاته دراسة النفس البشرية والغوص في باطن المواطن بالتحليل ، كما تتضمن تحليل الاوضاع على الساحة الوطنية ، وكل ذلك بجانب إعمال التفكير الاستراتيجي والتفكير الإبداعي واستدعاء الفكر الاستراتيجي من خلال عمليات اختيار التوجه الاستراتيجي للدولة ، يقود لتحديد مصالح تعبر عن تطلعات المواطنين، مما يجعلهم يتجاوبون معها عند تنفيذها .

2.     أن تتأسس الاستراتيجية على العدل وأن تسعى لتأسيس العدل في كافة جوانبه وأن تتضمن القيم والمرتكزات الاستراتيجية الأخرى التي تؤسس لتحقيق المصالح الوطنية واستدامة الاستراتيجية مثل التأسيس لأمن الإنسان والتوازن التنموي ، لأن وجود استراتيجية تقوم على الظلم أو التمييز السلبي أو الاحساس بذلك لن تجد السند الشعبي المساند لها .

3.     نشر الوعي وثقافة الاستراتيجية والسلوك الوطني الذي يُعلي الوطن على سواه ، وسط المجتمع وبذر الحلم الوطني عبر السلم التعليمي ابتجاء من الروضة .

4.     المشاركة الوطنية في إعداد الاستراتيجية بحيث لا تصبح عمل تُعزل فيه مكونات المجتمع ، وتحقيق ذلك يعتمد على مدى وجود منهج وطني للتخطيط الاستراتيجي يؤسس للدراسات الميدانية التي تتصل بالمواطن فضلاً عن وجود آلية وطنية وليس حكومية تناقش وتجيز الاستراتيجية.

5.     وجود آلية وطنية بصلاحيات إدارية وقانونية تمثل العقل الوطني ، مناسبة تمكنها من إدارة المسار الاستراتيجي للدولة وتطبيق منهج الإدارة الاستراتيجية بما يمكن من توجيه نشاط الدولة ليتجه نحو المصالح الاستراتيجية وما يرتبط بها من قضايا ، بما يضمن توجيه كافة الانشطة المتناثرة نحو تلك المصالح . ولعل المثل التالي يعبر ذلك .

6.     إذا افترضنا ( مجازاً ) أن بناء مبنىً ضخم بمواصفات معينة يعبر عن الحلم الوطني ، فإننا سندرك أن شعـب الدولة غيـر مؤهل لتصميم هذا المبنى لكـن المهندسين هـم القــادرين على ذلـــك ( والمهندسين يمثلون هنا خبراء التخطيط الاستراتيجي ) ، إلا أن هؤلاء المهندسين لم يتمكنوا من تحديد هذا التصميم إلا بعد أن قاموا بالاتصال بالقواعد الشعبية للتعرف على رؤاهم ورغباتهم بجانب دراسة الأوضاع الأخرى في البيئة ( هو ما يطلق عليه التحليل الاستراتيجي كما سبق وذكرنا وهي مهمة آلية التخطيط الاستراتيجي التي يجب ان تسعى لوضع استراتيجية تعبر عن الجميع ) . ثم يتحول العمل نحو التنفيذ حيث سيقوم جهاز التخطيط بتقسيم المهام والادوار، ليتم انتاج أجزاء هذا المبنى عبر جهات مختلفة ( المبنى الخرصاني ، الطوب ، الأبواب والشبابيك ، الطلاء ، الكهراباء ، التكييف .... إلخ ، ثم يتم تقسيم العمل بصورة اكثر تفصيلاً ، ليتم توزيع مهام إنتاج عشرات الآلاف من المهام الصغيرة المطلوبة لتشيد المبنى عبر آلاف المواطنين ، حيث يقوم كل مواطن بتحقيق هدف صغير منه ( هدف محدد وبكمية محددة وبمواصفات محددة ) ليتم استخدامها مع أهداف أخرى لانتاج هدف أـكبر وهكذا إلى أن تلتقي كل هذه الجهود في نهاية المطاف في انتاج المبنى المطلوب .

العبرة هنا أنه لا يوجد مواطن يمارس نشاط من فراغ وإنما يحقق أهداف محددة في إطار الاستراتيجيبة الوطنية ، والعبرة الثانية أن المواطن لا يعرف تعقيدات هذا الهدف فهذا عمل الاستراتيجيين ، إلا أن الهدف نفسه يعبر عن هذا المواطن ، كما أن الجميع يمارس النشاط المطلوب كماً وكيفاً لتحقيق المصالح الوطنية .

إذن وجود الحلم الوطني ووجود الآلية ووجود منهج الإدارة الاستراتيجية الشراكة والتناغم الوطني لتتم ملايين الانشطة في الدولة الا انها تتكامل عبر مراحل لتلتقي في الهدف الاستراتيجي القومي ، والعكس أي عدم وجود ووضوح حلم وطني وعدم توفر الظروف والشروط أعلاه ، يعني ارتباك نشاط الدولة وضياع زمن وجهد ومال وموارد دون تحقيق إنجاز استراتيجي .

إن مناهج التربية الوطنية والتدريب يجب أن تقوم على هذا الأساس ، أي إدراك أن انجاز المواطن لمهامه في الزمن الجودة المطلوب هي جزء من الحلم الوطني .

ذكر لي أحد الفنيين الأوربيين وكان يعمل في مصنع للسيارات بأوربا الغربية ، أنه عندما تم اختياره للعمل بالمصنع لأول مرة ، أن الخطوة الأولى له في المصنع قبل ممارسة العمل هو تلقيه لتدريب من قبل سلطات الموارد البشرية الحكومية ، حيث كانت المرحلة الاولى تجديد شرح الحلم الوطني للدولة بشكل عام ، ثم قام بدراسة الحلم الوطني الاقتصادي وما يرتبط بذلك من تحديات ، ثم انتقل لدراسة الحلم الوطني في مجال فرعي من الحلم الاقتصادي وهو دور قطاع السيارات في تحقيق الحلم الوطني لتلك الدولة ، ثم انتقل بعد ذلك لإدارة الموارد البشرية بالمصنع حيث تم تدريبه على دور المصنع في تحقيق الحلم الوطني ، ثم أخيراً تم تدريبه على مهام تتعلف بربط مسمار معين على السيارة بإحكام ، وذلك خلال زمن محدد بأربعة ثواني . قال لي ذلك الفني : لقد فهمت من التدريب أن عدم انجاز هذه المهمة ، أي ربط المسمار باحكام في خلال الزمن المحدد يعني تهديد الحلم الوطني ، لأن هذا السلوك ( أي وجود مسمار غير مثبت جيداً في الزمن المحدد ) إذا انتشر في المصنع فإن هذا يعني عربة مهلهلة او غير جيدة ، وهو ما يهدد الحلم الوطني برمته ، كما أن تـأخير ثانيتين يعني ضياع نصف المدة فإن كان عمر الاستراتيجية الوطنية عشرين عاماً فإن هذا السلوك يرفع المدة إلى أربعين .

 

1    2


أعلى ألصفحة

ألسيرة الذاتية

الاسم محمد حسين سليمان أبوصالح الميلاد 1960م الحالة الاجتماعية متزوج { خمسة من البنين والبنات } المؤهلات الأكاديمية : ألمزيد

دورات تدريبية

يعمل د. محمد حسين ابو صالح على تدريب الكوادر للعمل في مجالات التخطيط ألمزيد

محاضرات


إتصل بنا