التخطيط الاستراتيجي للعلاقات الدولية

شهد العالم خلال العقود الماضية تطورات استراتيجية متسارعة فيما يتعلق بالنظام العالمي أبرزها هو ظهور منظمة التجارة الدولية وبروز ظاهـرة العولمة بأبعادها الثقافية والسياسية والاقتصادية، وظهور الشركات متعددة الجنسيات التي أصبحت تملك نوعاً من القوة والسيادة فوق الوطنية في مقدرات الاقتصـاد والتجارة الدولية، وأصبحت لها قدرة عالمية في احتكار التقانات الجديدة، ومن ثم القوة التنافسية وغزو الأسواق العالمية، خاصة أسواق الدول النامية التي لا تملك القدرة على مواجهة سطوتها بسبب ضعف قدراتها التنافسية، مما يجعلها عرضة للهيمنة واحتكار الأسواق ومنافسة المؤسسات الإنتاجية والخدمية الوطنية من جانب الشركات العملاقة والمتعددة الجنسيات .

وقد انعكست هذه الأحداث على مسار إدارة حوار المصالح العالمي حيث إن طبيعة المنافسة في المرحلة القادمة وما يتصل بها من وسائل تحقيق المزايا النسبية للإنتاج والحصول على حصص استراتيجية في أسواق العالم، فضلاً عن تحقيق الأهداف والسياسية والاجتماعية قد أجبر العالم إلى ابتداع عدد من الوسائل والسياسات التي تعزز من قدراته التفاوضية بما يمكن من تحقيق المصالح العليا للدول .

على صعيد آخر ساهمت التطورات في مجال تقنيات الاتصال والمعلومات والتعليم الإلكتروني والتطورات في النظام السياسي الدولي الذي أعطى دوراً استراتيجياً لمنظمات المجتمع غير الحكومية المسنودة من الركيزة السياسية للنظام السياسي والمدعومة مالياً من الركيزة الاقتصادية العالمية، في إحداث تغيير استراتيجي أصبحت بموجبه آليات البناء الأخلاقي للأفراد مهددة بالتحول إلى السيطرة العالمية بدلاً عن السيطرة القطرية، وهكذا يواجه الملايين من شعوب العالم خطر الغزو الفكري الغربي .

مفهوم التخطيط الاستراتيجي للعلاقات الدولية :

(بوجهة نظر المؤلف، يقوم مفهوم التخطيط الاستراتيجي للعلاقات الدولية على تقديم الدعم والسند المطلوب لتحقيق المصالح الاستراتيجية الوطنية على الساحة الدولية، ويتضمن كذلك تعزيز القدرات التفاوضية للدولة في حوار المصالح الدولية وتعزيز بناء شراكة دولية عادلة بين الدولة والأسرة الدولية وتعزيز السلام والأمن الدولي والحفاظ على البيئة الدولية، وذلك من خلال تحقيق التوازن بين مقتضيات المصلحة الوطنية ومقتضيات المصلحة العالمية.

 

عليه فإن دراسة التخطيط الاستراتيجي للعلاقات الدولية تتطلب السير في عدة اتجاهات تعمل جميعها في إطار خدمة تحقيق الأهداف الاستراتيجية للدولة اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً وأمنياً، أهمها :

1.           بلورة رؤية استراتيجية وطنية حول العلاقات الدولية للدولة، يتم من خلالها توفير إطار فلسفي يعمل على توفير التناسق والتكامـل بين أنشطة الدولة المتعلقة بالعلاقات الدولية .

2.           تعزيز القدرات التفاوضية للدولة في حوار المصالح الدولية .

3.           تعزيز بناء شراكة دولية عادلة بين الدولة والأسرة الدولية .

4.           توفير الدعم والسند والترتيبات المطلوبة على الساحة الدولية في سبيل تحقيق الخطة الاستراتيجية القومية

5.           تعزيز السلام والأمن الدوليين

6.           المحافظة على البيئة الدولية .

 

 

خطوات استراتيجية العلاقات الدولية :

1.          تحليل ودراسة البيئة الداخلية ويشمل ذلك :

‌أ.               دراسة الاستراتيجية القومية للتعرف على المصالح الاستراتيجية الوطنية ونقاط الضعف والقوة والفرص والمهددات والقضايا الاستراتيجية على المستوى العام.

‌ب.           دراسة الاستراتيجية الاقتصادية للتعرف على المصالح الاقتصادية الوطنية المطلوب توفير السند الخارجي لها .

‌ج.            دراسة الاستراتيجية السياسية للتعرف على المصالح السياسية الوطنية المطلوب توفير السند الخارجي لها .

‌د.              دراسة الاستراتيجية الاجتماعية للتعرف على المصالح الاجتماعية المطلوب توفير السند الخارجي لها .

‌ه.              دراسة الاستراتيجية العلمية والتقنية والعسكرية للتعرف على المصالح الوطنية في هذه الجوانب، المطلوب توفير السند الخارجي لها.

2.     دراسة الاستراتيجيات الفرعية للتعرف على نقاط الضعف المطلوب علاجها والمهددات المطلوب التعامل معها بجانب التعرف على القضايا الاستراتيجية للاستراتيجيات الفرعية.

3.     التعرف على نتائج تحليل الأوضاع الجيوستراتيجية بغرض التعرف على الأوضاع المحلية ذات الصلة بالأوضاع الإقليمية .

1.                 تحليل البيئة الخارجية كما يلي :

‌أ.               من منظور الفرص والمهددات

‌ب.           من المنظور السلوكي : بغرض التعرف على سلوك الدول والجماعات وتحليل الجوانب الثقافية، ومعرفة اتجاهات الرأي العام والجوانب النفسية وتحليل المؤثرات وانعكاسات العوامل والمتغيرات على التركيبة الاجتماعية . 1

‌ج.            من المنظور القانوني : بغرض دراسة الأوضاع القانونية الدولية من معاهدات وقوانين ونظم وسياسات 2 .

‌د.              المنظور السياسي، بغرض دراسة النظام السياسي العالمي ومعرفة الاستراتيجيات المطبقة ودراسة القوة الاستراتيجية وعناصرها ومرتكزاتها .

‌ه.              من المنظور التاريخي .

4.           اختيار الاستراتيجية وتحديد البدائل .

5.           التنفيذ الاستراتيجي

6.           التغيير الاستراتيجي

7.           المتابعة والقياس والتقييم .


الرؤية الوطنية الاستراتيجية للعلاقات الدولية :

إن استراتيجية العلاقات الدولية تنطلق على خلفية الاستراتيجية القومية للدولة، وهذا يعني عدم إمكانية إعداد خطة للعلاقات الدولية في ظل غياب استراتيجية قومية، كما أن التخطيط الاستراتيجي للعلاقات الدولية يتوقف كذلك على مدى كفاءة التخطيط الاستراتيجي السياسي ومدى متانة الائتلافات الوطنية الداخلية، بمعنى أن بلورة ووضوح المسار الاستراتيجي للدولة الذي تعبر عنه الرؤية الوطنية الاستراتيجية ومدى الإجماع الوطني عليها، يتم استكماله بالرؤية الوطنية للعلاقات الدولية التي تنطلق لتساهم فيما يليها دولياً لتحقيق التوجهات والمصالح الاستراتيجية للدولة، وبالعدم لا يمكن أن نتصور تخطيطاً استراتيجياً للعلاقات الدولية .

من هنا تصبح مهمة بلورة الرؤية الوطنية للدولة حول العلاقات الدولية، هي أول خطوات التخطيط الاستراتيجي للعلاقات الدولية، ومن خلاله يصبح المسار الاستراتيجي للعلاقات الدولية محدداً لا يتأثر بتغير الحكومات أو القيادات، كما أن تحقيق غايات وأهداف استراتيجية للدولة على الصعيد الدولي يتعذر في ظل غياب رؤية وطنية تحدد ذلك .

 



1 إسماعيل صبري مقلد، مرجع سبق ذكره، ص 25 .

2 المرجع السابق، ص 16 .

أعلى ألصفحة

ألسيرة الذاتية

الاسم محمد حسين سليمان أبوصالح الميلاد 1960م الحالة الاجتماعية متزوج { خمسة من البنين والبنات } المؤهلات الأكاديمية : ألمزيد

دورات تدريبية

يعمل د. محمد حسين ابو صالح على تدريب الكوادر للعمل في مجالات التخطيط ألمزيد

محاضرات


إتصل بنا