التخطيط الاستراتيجي السياسي

إن التدبر العميق في البيئة الدولية يشير إلى صعوبة وتعقيد التعامل مع تلك البيئة وما تشمله من مهددات وما تشهده من تطورات، دون استراتيجيات متقنة. ومن التحديات المهمة التي يصعب إغفالها في علم التخطيط الاستراتيجي القومي، هو تأثير الجوانب الشخصية للسياسي وللشخصيات القيادية والحزبية والتنفيذية، على المصالح العامة، حيث اتفقت العديد من الدراسات على أن الإنسان بطبيعته البشرية له رغبات تتصل بتحقيق الذات والشهرة والجاه.. الخ، ولا زالت العديد من الدول تعاني من طغيان المصالح الشخصية أو التنظيمية على المصالح العامة، وقد اعترفت النظم الغربية بهذا العجز حيث أثبتت التجارب الطويلة في أوربا أن السلطة مفسدة وأن السلطة المطلقة تؤدي إلى فساد مطلق، لذا فإن مجرد وجود الاستراتيجية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.. الخ، التي يتم من خلالها تحقيق المصالح الوطنية الاستراتيجية وإدارة صراع المصالح الدولية وتحقيق الأمن القومي، دون ترتيبات تعالج الخلل المتعلق بالسلوك البشري أو الحزبي، تجعل من تلك الاستراتيجيات حبراً على ورق وترهن المصالح الوطنية الاستراتيجية والأمن القومي على سلوك وتصرفات أفراد، باعتبار أن عدم السيطرة على ذلك السلوك يعني عدم وجود إرادة وآلية فاعلة لتنفيذ الاستراتيجية القومية كما هو محدد، وبالتالي تهديد الأمن القومي وتعطيل المصالح، لهذا اهتم علم الاستراتيجية السياسية بتأسيس الأوضاع التي تؤسس لسيادة النظام الوطني المطلوب لتحقيق المصالح الاستراتيجية الوطنية ويمنع سيطرة أي أنظمة أو أوضاع اخرى تقود لتحقيق مصالح شخصية أو تنظيمية أو تضعف الإرادة الوطنية في تنفيذ الاستراتيجية القومية، مثل تحديد السلطات وتحديد الزمن لممارسة هذه السلطات وإعمال الأنظمة الرقابية الصارمة والتأسيس لإنزال القيم والحريات على الأرض ووضع ضوابط تحكم الخدمة المدنية وسيادة القانون والنظام، وغيرها مما يحد من انفلات الرغبات الشخصية أو الحزبية.

كما أن النظر إلى تعقيدات البيئة الدولية التي تشكل مسرح عمل الدولة، مثل الظروف والتطورات العلمية والتقنية والدولية، العولمة بأبعادها السياسية والتشريعية والاقتصادية والثقافية..، حرية التجارة الدولية، والمخططات الاستراتيجية الأجنبية متقنة الصنع والإعداد، عمق الصراع الدولي حول المصالح.. الخ..، يشير إلى أهمية تعزيز القدرات التفاوضية للدولة، وهذا يقود للمستوى المطلوب من الطرح الفكري السياسي الذي يستجيب للتطورات الدولية والعلمية، وهو ما يعبر عنه بالاستراتيجية السياسية التي يتم من خلالها تنفيذ ما يتم التوصل إليه من رؤية وطنية فضلاً عن امتلاك الدولة لإرادتها وقرارها الوطني دون أي عوامل أجنبية تؤثر سلباً عليه أو تقيده.

لذا تعتبر الاستراتيجية السياسية هي العمود الفقري لبناء الإرادة الوطنية وتماسك الجبهة الوطنية ونجاح التخطيط الاستراتيجي الشامل، وتقوم على عدد من الافتراضات التي تربط امتلاك القوة الاستراتيجية للدولة بعدد من العوامل أهمها:

1.     قوة الإرادة الوطنية والحفاظ عليها .

2.     مدى متانة الائتلافات الداخلية والخارجية .

3.     مستوى السلوك الاستراتيجي .

4.     وجود رؤية وطنية استراتيجية .

5.     مدى استجابة النظام السياسي لما يتم تصميمه من خطط ورؤى استراتيجية .

6.     مدى ارتكاز القرار السياسي على السند المعرفي .

وبالتالي فإن قدرة الدولـة على التفاوض البناء، من أهم مؤشـرات النجاح الاستراتيجي السياسي والعكس صحيح .

لقد أثبتت العديد من البحوث والدراسات بأن كافة المخططات الاستراتيجية التي قدر لها النجاح مثل المخطط الذي قاد النهضة في الولايات المتحدة، أو المخطط الياباني الذي نجم عنه العملاق الياباني، أو المخطط الألماني.. الخ.. لم تكن لتنجح لولا وجود استراتيجيات سياسية تضبط الأداء والإيقاع السياسي، وتحمى الدولة من خطر التدخل الأجنبي في السيادة الوطنية.

 

مفهوم التخطيط الاستراتيجي السياسي :

بوجهة نظر المؤلف فإن مفهوم الاستراتيجية السياسية يقوم على توفير السند السياسي المطلوب لتحقيق المصالح الوطنية الاستراتيجية ويتضمن بلورة المسار الاستراتيجي للدولة وتعزيز القدرات التفاوضية الوطنية وبلورة الرؤية الوطنية الاستراتيجية وتوفير الظروف والأوضاع المطلوبة لضمان تنفيذ الاستراتيجية، وتوحيد وتأمين الإرادة الوطنية وتحقيق التكامل والتناسق والارتباط بين أنشطة الدولة محلياً وخارجياً، وتأسيس وتعزيز

الشراكة بين السلطة العلمية والمهنية مع السلطة السياسية و تحقيق التوازن بينهما،  بما يؤدي إلى بناء شراكة وطنية عادلة داخلياً وشراكة عادلة بين الدولة والمصالح الأجنبية والدولية، وحماية السيادة الوطنية ووحدة التراب والشعب والمصالح الاستراتيجية للدولة .

محاور المفهوم :

1.     توفير السند المطلوب لتحقيق المصالح الاستراتيجية الوطنية

2.     تحديد المسار الاستراتيجي للدولة

3.     تعزيز القدرات التفاوضية الوطنية

4.     بلورة الرؤية الوطنية الاستراتيجية

5.     توفير الظروف والأوضاع المطلوبة لضمان تنفيذ الاستراتيجية

6.     بلورة وتوحيد الإرادة الوطنية

7.     تحقيق التكامل والتناسق والارتباط بين أنشطة الدولة محلياً وخارجياً

8.     تقوية الشراكة بين السلطة العلمية والسلطة السياسية .

9.     تحقيق التوازن بين السلطتين السياسية والسلطة المهنية .

10.     بناء شراكة عادلة داخلياً وشراكة عادلة بين الدولة والمصالح الأجنبية والدولية  

11.     حماية السيادة الوطنية.

12.     حماية وحدة التراب والشعب.

13.     حماية المصالح الاستراتيجية للدولة

هذا يعني أن مفهوم التخطيط الاستراتيجي السياسي يعمل في أربعة اتجاهات رئيسة هي :

1.     تعزيز الموقف التفاوضي الوطني من خلال ترتيبات داخلية .

2.     ضبط الأداء والإيقاع السياسي .

3.     تحقيق الأمن بمفهومه الاستراتيجي .

4.     توفير الظروف والأوضاع المطلوبة لتحويل الاستراتيجية إلى واقع

5.     تعزيز ودعم القرار السياسي من خلال السند العلمي والمعرفي .

 

المصالح الوطنية الاستراتيجية

إن أهم مقومات النجاح في الدولة هو قدرتها على بلورة وتحديد مصالحها الوطنية الاستراتيجية، ومن ثم تهيئة الأوضاع والظروف المناسبة لتحقيقها وتأمينها، وهي بهذا تشكل المرتكز الأساسي الذي تدور حوله عمليات إدارة مصالحها في البيئة الدولية، وعلى النقيض فإن عدم بلورة ووضوح المصالح الوطنية والإجماع عليها، يجعل الدولة كمن يدخل في صراع المصالح الدولية دون سلاح، كما أن عدم وضوح المصالح الاستراتيجية الوطنية يقود لبلورة خطط فرعية تفتقر للرؤية المناسبة.

الرؤية الوطنية الاستراتيجية :

شكلت عمليات بناء الجبهة الوطنية عقبة أمام المخططين في أواسط القرن العشرين، حيث يرى خبراء التخطيط أن تحقيق المصالح الوطنية الكبرى يحتاج إلى فترة زمنية طويلة يتم خلالها السير بانتظام تجاه تحقيق أهداف محددة بتراكمات محددة تنتهي بعد عقود من الزمان بتحقيق تلك الغايات والأهداف الاستراتيجية .

إن طول الفترة الزمنية لتحقيق تلك الغايات والأهداف الاستراتيجية يعني تعاقب عدد من الحكومات المختلفة، ليكمن المهدد الحقيقي في أن عدم الاتفاق الوطني على تلك الغايات والأهداف يمنع أو يؤخر تحقيقها، في الوقت الذي تتباين فيه رؤى المؤسسات السياسية الوطنية بتلك الدول.

وما بين هذا وذاك، وفي ظل التحدي الوطني والطموحات الوطنية بتحقيق نهضة أو تنمية طموحة جريئة لبلادهم، فقد برز ما يمكن أن نطلق عليه الرؤية الوطنية الاستراتيجية التي تجسد الإطار الذي لا يجوز الخلاف حوله.

إن المصالح الوطنية الاستراتيجية تعبر عن هذا، وهو ما تحتاج إليه الدول النامية، ليدور الخلاف السياسي بين الأحزاب بعيداً عن تلك المصالح، وهذا هو الأسلوب الأفضل للسيطرة على الخلافات السياسية .

الرؤية الوطنية والإجماع الوطني :

في كثير من الأحيان يعبر عن الرؤية الوطنية بالإجماع الوطني، ومما هو ملاحظ أن المجتمع السياسي يتعامل مع الإحماع الوطني كأنه عملية سياسية منعزلة عن الأوضاع الوطنية الأخرى، يمكن أن تتم في فترة قصيرة من خلال الحوار السياسي بين القوى السياسية أو عقد المؤتمرات .ومما يجب توضيحه في هذا الخصوص، أن الإجماع بمفهومه الاستراتيجي يعبر بشكلٍ كبير عن الرؤية الوطنية الاستراتيجية، أي الإجماع حول المصالح الوطنية الاستراتيجية والإجماع حول المهددات ونقاط الضعف الوطنية والقضايا الاستراتيجية . وهو بهذا الفهم لا يمكن تحقيقه إلا من خلال ترتيبات استراتيجية تحتاج لمسار زمني طويل تفضي في نهايتها إلى ترقية الوعي الاستراتيجي الوطني وتشكيل السلوك السياسي الاستراتيجي ونشر ثقافة الاستراتيجية وتوفير القيادة الاستراتيجية في المجتمع عامة والمجتمع السياسي على وجه الخصوص، وذلك من خلال استراتيجيات التربية والتعليم والتدريب والإعلام واستراتيجيات المجتمع، حينها يمكن تحقيق الإجماع بشكله المثالي. إذن فالتخطيط الاستراتيجي القومي هو الذي يقود نحو الإجماع الوطني، كما يفهم من هذا أن الإجماع الوطني نادراً ما يمكن أن يشمل الجميع دفعة واحدة في بدايات وضع الاستراتيجية .

 

 

ارتكاز القرار السياسي على السند المعرفي :

يعد ارتكاز القرار السياسي على السند المعرفي من أهم وسائل تعزيز القدرات لتحقيق المصالح الاستراتيجية للدول، وإذا ربطنا بين تعقيدات وشراسة الصراع الاستراتيجي على الساحة الدولية والسند المعرفي، تتضح خطورة اتخاذ القرارات الفردية التي تعتمد على الخبرة الشخصية المحدودة للقيادي المعين، وتتضح الخطورة أكثر عندما تدخل الدولة هذا الصراع بآراء وقرارات مزاجية لقادتها، لقد أثبت التاريخ والعديد من الدراسات أثر القرارات الفردية في تعطيل وتهديد مستقبل دول عديدة في العقود الماضية.

 من هنا فإن تطوير مبدأ الشراكة بين السلطة العلمية والسلطة الشعبية والسياسية، ومبدأ العمل المؤسسي، يجب أن يمتد ليشمل الخدمة المدنية التي تشكل جهاز الخبراء للدولة الذي يتولى تنفيذ القرار السياسي وفق العلم والقانون .

لذا فقد وضعت خطط لتنزيل هذا الأمر إلى أرض الواقع في العديد من الدول المتقدمة بما جعل كل المخزون المعرفي للدولة مسخراً بصورة أو بأخرى لصالح القرار السياسي أو التنفيذي المتعلق بإدارة المصالح الاستراتيجية لتلك الدول، وهكذا انتشرت مراكز البحوث والدراسات خلف الحكومات والوزارات والأحزاب. في المقابل بالعديد من الدول النامية يتوفر وضع معاكس يسير فيه العلماء في خط موازٍ لا يلتقي مع الخط السياسي ليخرج القرار السياسي إلى الساحة الوطنية لتلك الدولة وكذلك إلى الساحة الدولية حيث صراع المصالح، ضعيفاً دون سند علمي كافٍ فتسقط تلك المصالح وتفشل.

إننا كما بنفس القدر الذي نهتم فيه بوضع المواصفات للإنتاج بأشكاله المختلفة، ونصدر فيه القوانين واللوائح التي تعاقب على من يخالف تلك المواصفات، فإننا في ظل تعقيدات الصراع الاستراتيجي الذي يستند على المعرفة، يجب بنفس القدر أن نهتم بتأسيس مفاهيم ومواصفات لصناعة القرار، تحمى بقوانين تجعل الخروج عنها جريمة يعاقب عليها القانون، حتى لا تسير الدولة بخبرة وعلوم قلة من أفرادها.

1    2    3
أعلى ألصفحة

ألسيرة الذاتية

الاسم محمد حسين سليمان أبوصالح الميلاد 1960م الحالة الاجتماعية متزوج { خمسة من البنين والبنات } المؤهلات الأكاديمية : ألمزيد

دورات تدريبية

يعمل د. محمد حسين ابو صالح على تدريب الكوادر للعمل في مجالات التخطيط ألمزيد

محاضرات


إتصل بنا