بسم الله الرحمن الرحيم

 

المنظور الاستراتيجي للعلاقات الإفريقية التركية

 

ورقة مقدمة للمؤتمر  التركي الإفريقي  العالمي السابع

 

18-19 يناير 2012م

 

د. محمد حسين أبوصالح

 

 

 

مدخل :

ظلت إفريقيا مسرحاً للصراع حول الموارد خلال القرون الماضية وذلك بسبب مواردها الطبيعية الهائلة التي شكلت الإسناد الاقتصادي لمعظم الدول الغربية ، إلا أنها لم تنل حتى الآن القدر المناسب من التنمية الذي يتناسب وإمكاناتها ، بل لا تزال أكثر قارات العالم تخلفاً حيث توجد أسوأ معدلات الفقر وسؤ التغذية ونقص التعليم وارتفاع مستوى الأمية وأعلى معدلات الصراع الأهلي في العالم .

بعد نهاية الاستعمار شهدت القارة نظاماً جديداً للحصول على موارد إفريقيا نشير إليه في موضع آخر من هذه الورقة ، إلا أنه لم يخرج عن كونه تغيير لوسائل تحقيق المصالح بينما لم تتغير كثيراً المبادئ والأسس التي تحكم ذلك  ‏.‏

الأفارقة باتوا اليوم على قناعة بان قارتهم تحتوي على كميات كبيرة من الثروات إلا أنهم قلقون من أن عمليات التنقيب عنها جلبت معها مآس خطيرة ( الحروب الأهلية المدمرة والتمرد العسكري ، الفساد ، العرقية ، الجرائم المنظمة ) مما أثر في مستوى ثقة الحكومات الإفريقية في المجتمع الدولي.

والسؤال المهم الذي يطرح نفسه هنا في ظل التطور النوعي لمستوى الوعي الإفريقي وظهور جيل جديد من الوطنيين الأفارقة الذين يدعون لشراكة أفضل في القرن الواحد وعشرين بين إفريقيا والعالم تقوم على أسس المصالح المتبادلة والعدالة ، وفي ظل معطيات العولمة وبروز جيل جديد من الشباب الإفريقي هل يمكن أن يعد ذلك مؤشراً لحقبة تقوم على الشراكة والتعاون الاستراتيجي؟ أم تصبح مسرحاً للصراع المباشر في ظل تناقص الموارد على المستوى العالمي وبروز قوى جديدة في العالم تسعى لتعزيز قدراتها وأوضاعها على الصعيد المحلي والعالمي بتأمين مصادر استراتيجية في الطاقة والمعادن .. إلخ ، وهل هناك حاجة من منظور مصالح الأطراف المختلفة لتأسيس رؤية استراتيجية للتعامل مع إفريقيا ؟  فمن المؤكد أن المائة عام القادمة لن تكون كحال القرون الماضية ، وهو ما تسعى الورقة لتناوله .

إفريقيا : الموقع والجغرافيا :

هي ثاني اكبر قارات العالم وتشكل 22% من مساحة اليابسة ، تقع بين خط العرض 35 وخط الاستواء وهي أكثر القارات مدارية في العالم ، يبلغ سكانها حوالي مليار نسمة في العام 2009 ،  ثلثي مساحتها عبارة عن هضبة يتراوح ارتفاعها بين 300 – 1.300 متر تتزايد شرقاً وفي جنوبها الشرقي ، تمثل الصحراء ربع مساحتها وهي اكبر صحراء في العالم ، وتتميز القارة بشكل عام  بالانكسارات والأخاديد حيث توجد فيها تسعة أحواض مغلقة وتتميز بقلة الأراضي السهلية مقارنة بالقارات الأخرى وضيق السواحل وافتقارها للخلجان والموانئ الطبيعية .

الموارد :

يمتد عمر الصخور الإفريقية إلى حوالي 3.500 مليون سنة ، وتتميز قارة إفريقيا بتنوعها المناخي الذي يمكنها من زراعة مختلف أنواع الإنتاج الزراعي ، كما يضم باطنها مخزوناً ضخماً من المعادن الاستراتيجية والنادرة تقدره بعض الدراسات بثلث المخزون العالمي ويضم أنواعاً مهمة منها الحديد والنحاس والكروم والكوبالت والمنجنيز الفوسفات البوكسايت والفرو كروم والتيتانيوم والرصاص ومواد البناء والبلاتين والماس والذهب ، هذا بجانب موارد الطاقة المتمثلة في النفط والغاز واليورانيوم فضلاً عن المساحة الواسعة للصحراء في شمالها التي تعطيها الفرصة لإنتاج الطاقة الشمسية .

هذه الموارد الهائلة جعل من إفريقيا منطقة لاهتمام القوى الكبرى على مر التاريخ ، ومع نهاية القرن العشرين ومطلع القرن الواحد وعشرين ازداد اهتمام العالم بإفريقيا وبرزت العديد من الاستراتيجيات الأجنبية تجاهها وازدادت وتيرة الاستثمار فيها .

الأوضاع السياسية

مع الاعتراف بوجود بعض التباين بين بعض الأنظمة في إفريقيا ، إلا أن السمة العامة للأوضاع السياسية تشير إلى هشاشة البناء السياسي الذي تعبر عنه الملاحظات التالية:

1.    أن معظم النظم السياسية تعتمد على السند الخارجي .

2.    عدم توفر أسس الحكم الراشد بشكل كافٍ في معظم الدول .

3.    ضعف الممارسة الديمقراطية والتداول غير السلمي للسلطة .

4.    الممارسة التقليدية للسياسة وسيادة أنظمة الأفراد والجماعات وليس نظام الدولة .

5.     ضعف مفهوم الدولة وارتفاع أثر الانتماءات تحت الوطنية .

6.    استشراء الفساد والمحسوبية في ظل عدم الشفافية .

7.    ضعف عمليات صناعة القرار .

من الملاحظات المهمة أن النزاع والحروب الأهلية في إفريقيا جرت في المناطق التي تم اكتشاف مواردها استراتيجية أو البدء في استغلالها ، وهذا يقود لنقطة مهمة وهي أن ضعف البناء السياسي في معظم الدول الإفريقية وبالتالي عدم وجود فلسفة ورؤى وطنية ذات عمق استراتيجي مسنودة بإرادة وطنية تظل قضية أساسية في إطار تناول موضوع العلاقات الاستراتيجية مع إفريقيا .

هذا الضعف السياسي ساهم بعد خروج الاستعمار من القارة في انتشار نوع آخر من أساليب الدول الغربية في تحقيق مصالحها المتمثل أهمه في تعاظم دور القطاع الخاص ومنظمات المجتمع في إطار البحث عن الموارد وسيتم تناولها بشكل إجمالي في هذه الورقة .

على الرغم من ذلك فقد حدث شئ من الاستقرار في بعض الدول كما أن التوجه نحو التنمية يعتبر الأفضل خلال العقود الأربعة الماضية ، لكن يظل البناء السياسي ضعيف .

وبجب الإشارة هنا إلى أن هذه الأوضاع لم تستمر نتيجة لضعف الإرادة  والرؤية الوطنية فقط وإنما كان هناك أيضاً عامل غاية في الأهمية وهو ارتباط عمليات تحقيق المصالح الأجنبية في الدول الإفريقية كالاستثمار والتجارة بوجود نظم موالية غير شفافة ، وبالتالي فان تأمين مراكز صناعة القرار على سبيل المثال أو تطبيق معايير الحكم الراشد كانت ستؤثر على شروط عمليات تبادل المصالح لكونها ستؤدي لسيادة نظام الدول الإفريقية وهو ما يقود إلى أن عدم التوصل لرؤية استراتيجية تجاه إفريقيا من الدول المختلفة تربط ما بين أهمية تقوية البناء السياسي والاقتصادي في إفريقيا بمصالح الدول الأخرى ، سوف يعني استمرار حالة من عدم الاستقرار في إفريقيا والتي ستنتهي حتماً بأضرار على كافة الأطراف مستقبلاً .

إننا يجب أن نعترف هنا بأن قضية العلاقة بين الاستراتيجية السياسية والمصالح الاقتصادية ، تعتبر قضية استراتيجية من الدرجة الأولى ظلت تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي بما في ذلك إفريقيا، ولعل حدوث الأزمة المالية العالمية نجم عن عدد من الأسباب أهمها هو طغيان لوبي المصالح على القرار السياسي في الدول الكبرى . وهو ما يعزز ما ذهبنا إليه من أهمية التوصل لرؤية استراتيجية تجاه إفريقيا يقوم على قوة البناء السياسي في إفريقيا ، وقد يكون هذا هو المدخل المناسب للدول الصاعدة مثل تركيا خاصة وأنها مؤهلة بخلفيتها الإسلامية لتوفير إطار من القيم والمبادئ الإسلامية المتعلقة بتحقيق أمن الإنسان وإعمار الأرض من منظور استراتيجي يبعد عن الفساد والظلم  . 

أوضاع الاستثمار الأجنبي في إفريقيا :

على الرغم من نمو الطلب العالمي وزيادة التنافس الدولي حول الموارد الطبيعية انعكس في نمو حجم  الاستثمارات الأجنبية التي سجلت أرقاماً قياسية مقارنة بمعدلات القرن العشرين  وعلى الرغم من ضخامة الموارد التي تم تصديرها من إفريقيا إلى دول العالم ، إلا أن المردود الاقتصادي والاجتماعي والاستراتيجي بشكل عام يعتبر ضعيفاً جداً ولا زالت القارة تعاني من الفقر والتخلف . حيث تشير العديد من الدراسات إلى أن أهم مشكلات الاستثمار الأجنبي في إفريقيا هو عدم قيامه على أسس ومرتكزات استراتيجية تراعي مصالح القارة الإفريقية ، ومن الدلائل على ذلك أن عمليات استخراج المعادن لا زالت بدائية وان عمليات التعاون والشراكة والاستثمار لم تكن تسمح بنقل التقانة إلى إفريقيا وبالتالي لم تتيح منح حصص استراتيجية لإفريقيا في سوق المعادن المستخلصة ، كلما في الأمر هو تصدير لمواد خام ، يضاف لذلك عدم الاهتمام بضوابط المحافظة على البيئة الشئ الذي يعني مواجهة إفريقيا في المستقبل لتحديات بيئية عظيمة ستؤثر عليها ولكنها حتماً ستؤثر على مصالح العالم كذلك ، كما أن ضعف المهارات نتيجة لضعف التعليم بجانب عدم اهتمام صفقات الاستثمار بتوفير فرص العمل الكافية للمجتمع الإفريقي ، ساهم في وجود واقع إفريقي مرير يتمثل في المجتمعات المتناقضة في مناطق الإنتاج ففي جانب منها نجد المدن الراقية التي تضم المستثمرين والخبراء والعمالة الأجنبية ، بينما نجد في الجانب الآخر مدن الصفيح المتخلفة التي تضم العمالة من الفقراء الذين يفتقدون لأبسط مقومات الحياة من مياه صحية نظيفة وتعليم وصحة ، في الوقت الذي يرتفع فيه حجم الصادرات من المواد الخام من تلك الدول . 

على هذه الخلفية بدأت تبرز للسطح حركات وطنية تسعى لتأسيس أوضاع إفريقية جديدة تؤسس لمصالح إفريقيا بشكل أفضل وهناك تنامي للوعي الإفريقي تجسد أهمه في محاولات تأسيس شراكة افريقية حول المعادن على أسس جديدة وهناك جهود كبيرة من بعض الدول لتطوير سياستها وتشريعاتها حول المعادن وملكية المناجم وهناك جهود لتنسيق الجهد الإفريقي  في مجال المعادن كما تجري العديد من الجهود لتعزيز القدرات البشرية لتنمية قطاع المعادن .

إن تنامي هذه الحركات وتنامي الوعي يشير إلى أن المدخل الاستغلالي الأناني للدول الأجنبية سيتناقص في العقود الماضية وأن الترتيبات الاستراتيجية التي سيكتب لها الاستدامة والنجاح هي تلك التي تراعي سلبيات التجارب الماضية التي أشرنا لها .

إن إفريقيا تُعد سوقاً كبيراً ، وسيكون سوق البني التحتية من طرق وسكك حديدية وموانئ وطاقة ومياه وسدود إلخ ، من أهم الاستثمارات في الفترة القادمة ، وان انتعاش الاقتصاد الإفريقي بسكانه الذي يربو على المليار نسمة من شأنه أن ينعكس إيجاباً على حركة الاقتصاد العالمي الكلي ، إلا أن ذلك رهين بترتيبات استراتيجية أخرى في مجال الإنتاج العلمي والتقني والتي تمكن من حسن استغلال الموارد والمحافظة على البيئة بما في ذلك المحافظة على الغابات والاهتمام بالتشجير كمتطلب مهم للمحافظة على معدلات الأمطار المطلوبة لتغذية الأنهار والمياه الجوفية لزراعة الأراضي الشاسعة التي يمكن أن تسد جانباً كبيراً من فجوة الغذاء العالمي في العقود القادمة ، ولعل العكس يشير بوضوح إلى أن عدم تنمية هذا القطاع يعني تهديد مباشر للأمن العالمي في مجال الغذاء ، وهذا مؤشر مهم لضبط عمليات الاستثمار في إفريقيا حتى لا تؤثر ممارسات الدول لاستغلال موارد إفريقيا إلى أضرار بالغة تهدد بأخطار اكبر للأسرة الدولة في العقود القادمة  ولعل مربط الفرس في العلاقة المستقبلية بين الشمال والجنوب هو مدى تحقيقها لهذه الجوانب أم لا  .

 

1    2    3    4    5


أعلى ألصفحة

ألسيرة الذاتية

الاسم محمد حسين سليمان أبوصالح الميلاد 1960م الحالة الاجتماعية متزوج { خمسة من البنين والبنات } المؤهلات الأكاديمية : ألمزيد

دورات تدريبية

يعمل د. محمد حسين ابو صالح على تدريب الكوادر للعمل في مجالات التخطيط ألمزيد

محاضرات


إتصل بنا