بسم الله الرحمن الرحيم

 

مكافحة الفساد من منظور استراتيجي

 

د. محمد حسين أبوصالح

 

مدخل :

ستركز هذه الورقة على المنظور الاستراتيجي لمكافحة الفساد في السودان .

تفترض الورقة أن نشؤ الفساد وتناميه يتم في الأساس على المستوى الاستراتيجي الذي ينجم عنه ضعف في الأداء الاستراتيجي السياسي والاقتصادي والاجتماعي ،  والذي بدوره يعزز من فرص انتشار وتنامي الفساد في الخدمة المدنية والمجتمع نتيجة لعدم التوازن بين الدخل والمصروفات مع تطور الحياة . لذا فمكافحة الظاهرة يجب أن تبدأ بالمستوى الاستراتيجي وليس على المستويات الأدنى .  

إن الدراسات تشير إلى وجود علاقة بين الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية من ناحية وتنامي الفساد من ناحية أخرى ، وفي هذا الصدد يجب الإشارة إلى أن موقع السودان الاستراتيجي بجانب الموارد الطبيعية الاستراتيجية الهائلة من مياه وأراضي زراعية خصبة ونفط وغاز والعديد من المعادن الاستراتيجية إلخ ، في ظل أزمة الغذاء والطاقة والمعادن على المستوى العالمي ، تعني أن هناك فرصة اقتصادية ضخمة متاحة للسودان ، وهنا يكمن الخطر إذ أن عدم وجود ترتيب استراتيجي سياسي متقن يعني تمرير الأجندة الأجنبية مقابل مصالح أفراد من القيادات والمتنفذين كما سيرد فيما بعد ، وبالتالي يجب الانتباه إلى أن الخطر الذي سيواجه السودان هو خطر بمستوى استراتيجي لا يشمل السكان الذين على قيد الحياة الآن وإنما يشمل كذلك الأجيال القادمة .

إن حدوث الفساد في المستوى الاستراتيجي علاوة على كونه يهدد الأمن القومي إلا أنه يؤدي إلى انتشار الفساد في المستويات الدنيا نتيجة لضغوط الحياة ، كما يؤدي لانتشار عدم اللامبالاة وسط الموظفين مما يقلل من فرص تنفيذ الاستراتيجية التي تسعى لتشكيل المستقبل الوطني .

من أهم القضايا التي شغلت المفكرين الاستراتيجيين هو كيفية التأسيس لسيادة نظام الدولة المطلوب لتحقيق المصالح الوطنية ، وباعتبار أن عدم سيادة نظام الدولة يعني سيادة نظام الأفراد وتحقيق المصالح الشخصية والحزبية وليس الوطنية .

اتفقت العديد من الدراسات على أن الإنسان بطبيعته البشرية له رغبات تتصل بتحقيق الذات والشهرة والجاه.. الخ، ولا زالت العديد من الدول تعاني من طغيان المصالح الشخصية أو التنظيمية على المصالح العامة، وقد اعترفت النظم الغربية بهذا العجز حيث أثبتت التجارب الطويلة في أوربا أن السلطة مفسدة وأن السلطة المطلقة تؤدي إلى فساد مطلق، لذا فإن مجرد وجود الاستراتيجية والخطط في المجالات الاقتصادية والاجتماعية.. الخ، التي يتم من خلالها تحقيق المصالح الوطنية الاستراتيجية وإدارة صراع المصالح الدولية وتحقيق الأمن القومي، دون ترتيبات تعالج الخلل المتعلق بالسلوك البشري أو الحزبي، تجعل من تلك الاستراتيجيات حبراً على ورق وترهن المصالح الوطنية الاستراتيجية والأمن القومي على سلوك وتصرفات أفراد، باعتبار أن عدم السيطرة على ذلك السلوك يعني عدم وجود إرادة وآلية فاعلة لتنفيذ الاستراتيجية القومية كما هو محدد، وبالتالي تهديد الأمن القومي وتعطيل المصالح وتأسيس بيئة مناسبة لانتشار الفساد ، لهذا اهتم علم الاستراتيجية السياسية بتأسيس الأوضاع التي تؤسس لسيادة النظام الوطني المطلوب لتحقيق المصالح الاستراتيجية الوطنية ويمنع سيطرة أي أنظمة أو أوضاع أخرى تقود لتحقيق مصالح شخصية أو تنظيمية أو تضعف الإرادة الوطنية في تنفيذ الاستراتيجية القومية، مثل تحديد السلطات وتحديد الزمن لممارسة هذه السلطات وإعمال الأنظمة الرقابية الصارمة والتأسيس لإنزال القيم والحريات على الأرض ووضع ضوابط تحكم الخدمة المدنية وسيادة القانون والنظام، وغيرها مما يحد من انفلات الرغبات الشخصية أو الحزبية.

عدم وجود ووضوح مركز صناعة القرار :

إن المتدبر في المداخل الذكية والمتعددة لاختراق الإرادة الوطنية ، يجد أن تطوير وتأمين مركز صناعة القرار الاستراتيجي يعد احد أهم الترتيبات لتنفيذ الاستراتيجية وإدارة الصراع والتنافس الدولي ، فبجانب الحاجة لآلية تضمن توفير الإسناد المعرفي الكافي لأي قرار استراتيجي ، هناك حاجة كذلك لتأمين القرار الوطني من فرص التأثير الأجنبي التي قد تتم بالترغيب أو الترهيب وكذلك تأمينها من تأثير المصالح الخاصة.

إن عدم وجود مركز محدد ومؤمن لصناعة القرار  يعني فتح المجال لاتخاذ قرارات بواسطة أفراد بحسن أو سوء نية أو تحت ضغط أوضاع أو مؤثرات معينة لتمرير قرارات قد تضر بالمصالح الاستراتيجية ومصالح الأجيال القادمة .

إن غياب أو ضعف مركز صناعة القرار يعني أن تظل المعلومات الاستراتيجية ونتائج البحوث والدراسات والتحليل الاستراتيجي حبيسة الإدراج ، وفي ظل هذا الوضع تصبح الفرصة مناسبة لاتخاذ كثير من القرارات الفردية الفاسدة ، يفاقم ذلك عدم وضوح المصالح الاستراتيجية وعقباتها وفلسفة الدولة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلخ ، من الأمثلة على ذلك منح أراضي بمئات الآلاف من الأفدنة لعقود تصل لمائة سنة ، إلى مستثمرين وطنيين أو أجانب دون قيود أو شروط نابعة عن فلسفة الدولة تلزم هذه الشركات بتوظيف أو تشغيل عدد محدد من المواطنين ، النتيجة هي تحول ملكية أراضي السودان لتصبح في أيدي مائتى شخص أو يزيد لقرن من الزمان ، وهو ما يعني تهديد كبير للأمن القومي والإضرار بمصالح أجيال قادمة كذلك .. إذن الخلل ليس في المستثمرين وإنما عدم وضوح المصالح الوطنية والفلسفة وعدم وجود مركز لصناعة القرار. 

في هذا الخصوص يجب الإشارة إلى ضعف الممارسة البرلمانية حيث يتم اتخاذ قرارات استراتيجية كالنموذج أعلاه دون موافقة البرلمان والتي تعد واحدة من حلقات تأمين القرار الوطني ومنع الفساد .. إن الممارسة العملية في كثير من دول العالم حددت مواصفات وشروط وخطوات لاتخاذ القرارات الاستراتيجية من ضمنها حجم الإسناد المعرفي والمهني والأغلبية البرلمانية المطلقة .

 

ارتكاز القرار السياسي على السند المعرفي :

يعد ارتكاز القرار السياسي على السند المعرفي من أهم وسائل تعزيز القدرات لتحقيق المصالح الاستراتيجية للدول، وإذا ربطنا بين تعقيدات وشراسة الصراع الاستراتيجي على الساحة الدولية والسند المعرفي، تتضح خطورة اتخاذ القرارات الفردية التي تعتمد على الخبرة الشخصية المحدودة للقيادي المعين، وتتضح الخطورة أكثر عندما تدخل الدولة هذا الصراع بآراء وقرارات مزاجية لقادتها، لقد أثبت التاريخ والعديد من الدراسات أثر القرارات الفردية في تعطيل وتهديد مستقبل دول عديدة في العقود الماضية.

من هنا فإن تطوير مبدأ الشراكة بين السلطة العلمية والسلطة الشعبية والسياسية، ومبدأ العمل المؤسسي، يجب أن يمتد ليشمل الخدمة المدنية التي تشكل جهاز الخبراء للدولة الذي يتولى تنفيذ القرار السياسي وفق العلم والقانون .

لذا فقد وضعت خطط لتنزيل هذا الأمر إلى أرض الواقع في العديد من الدول المتقدمة بما جعل كل المخزون المعرفي للدولة مسخراً بصورة أو بأخرى لصالح القرار السياسي أو التنفيذي المتعلق بإدارة المصالح الاستراتيجية لتلك الدول، وهكذا انتشرت مراكز البحوث والدراسات خلف الحكومات والوزارات والأحزاب. في المقابل بالعديد من الدول النامية يتوفر وضع معاكس يسير فيه العلماء في خط موازٍ لا يلتقي مع الخط السياسي ليخرج القرار السياسي إلى الساحة الوطنية لتلك الدولة وكذلك إلى الساحة الدولية حيث صراع المصالح، ضعيفاً دون سند علمي كافٍ فتسقط تلك المصالح وتفشل.

إن عدم وجود نظام ( إداري وتشريعي ) يؤسس لهذه العملية التي تحقق الإسناد المعرفي والمهني يعني الفساد الذي يقود لتحقيق مصالح شخصية وقد يقود لتهديد الأمن القومي .

سيادة المهنية والعلمية والمؤسسية:

إن عدم سيادة القانون وعدم وجود المؤسسية يعني انتشار الفساد نتيجة لعدم خضوع القرار السياسي أو الإداري للضوابط المحددة مما يقود إلى سعي المسئول الأعلى للسيطرة على مقاليد الأمور، ليصبح هو الآمر الناهي، ومن يخالفه يجد العقاب أو التهميش أو الطرد، وبطبيعة الحال في ظل الأوضاع الاقتصادية التي تجعل من الصعوبة إيجاد وظيفة أخرى، فإن الواقع يشير إلى أن ذلك الخبير أو الموظف يضطر إلى تنفيذ تعليمات ذلك المسئول، وهذا يعني ببساطة أن تلك الوحدة الحكومية تسير برأي شخص واحد وأن كل الخبرات الموجودة مجمدة دون فائدة، هذا المشهد يمكن أن يتحول ببساطة إلى مشهد عام يشمل الدولة كلها، أي تسيير الأمور وفق رؤى أشخاص قلائل مع تجميد كل جهاز الخدمة المدنية التي تشكل الركيزة الأساسية لخبرة الدولة، وبالضرورة مهما كان ذكاء وعلم ومعرفة هؤلاء، فهو ذكاء وعلم ومعرفة محدودة لا تستطيع مواجهة تحديات وصراع المصالح الدولية المسنودة بالمخزون المعرفي للدولة المعينة.

هذا يعني ضرورة تحديد العلاقة بين السلطة العلمية المهنية والسلطة السياسية، فإن كنا نعلم أن رئيس الدولة رغم تربعه على قمة هرم الدولة، لا يستطيع التدخل في قرار الطبيب الجراح الذي يجري عملية جراحية لمريض، فإننا يجب أن ندرك بأن هذا الجراح يعبر عن الخدمة المدنية كجهاز مهني يقوم على العلم والقانون، لقد تتبعت قضية وقوع الطائرات في إحدى الدول واكتشفت أن تعليمات خبراء الطيران المدني التي كانت تمنع التصديق لإقلاع  بعض الطائرات لعدم استيفاء شروط السلامة وعدم إجراء الصيانات الدورية ... الخ، كثيراً ما كانت توقف بقرارات سياسية، والنتيجة سيادة القرار السياسي في موطن يتطلب قراراً مهنياً، وهكذا بعد فترة بدأت تتساقط الطائرات ، كما أن عدم سيادة المهنية يعد مدخلاً أساسياً لتهديد الأمن القومي ومن الأمثلة على ذلك الحرب الاقتصادية التي تقوم على جلب المدخلات الفاسدة كالتقاوي والمبيدات لتعبر حدود الدولة بقرار سياسي متخطية السلطة المهنية مما يقود لتدمير الاقتصاد وتشريد العمال وهي نتائج قد تكون وخيمة أكثر من الحرب واقل تكلفة منها .

هذا المثل يعبر عن ضرورة النظر للخدمة المدنية كجهاز مهني يقوم على العلم  وأن يقنن ذلك بما يحمي القرار المهني العلمي من التدخل السياسي، فالسلطة الشعبية أو السياسية لا يجب أن تتدخل في اختصاص السلطة المهنية أو العلمية والعكس يعني توفير بيئة مناسبة للفساد وتمرير الأجندة الشخصية . 

 

ألسيرة الذاتية

الاسم محمد حسين سليمان أبوصالح الميلاد 1960م الحالة الاجتماعية متزوج { خمسة من البنين والبنات } المؤهلات الأكاديمية : ألمزيد

دورات تدريبية

يعمل د. محمد حسين ابو صالح على تدريب الكوادر للعمل في مجالات التخطيط ألمزيد

محاضرات


إتصل بنا

1    2    3


أعلى ألصفحة